الهيئة العالمية للمسرح
* لمحة تاريخية
الهيئة العالمية للمسرح إحدى أهم المنظمات غير الحكومية في العالم في مجال الفنون التعبيرية والمسرح خاصة . وقد أنشئت عام 1948 في براغ ( تشيكوسلفاكيا ) بمبادرة من منظمة اليونسكو وبجهود المجتمع الدولي والطيبين من رجالات الثقافة والمسرح الذين كانت لديهم علاقات استشارية جيدة مع اليونسكو . وكان ذلك خلال اجتماع ضم ممثلو 12 دولة من أوروبا وآسيا وأمريكا ، ثماني دول منها كانت قد أنشأت لها مراكز وطنية رسميا وهي : أستراليا وبلجيكا والصين وفرنسا وبولندة وبريطانيا وسويسرا وتشيكوسلوفاكيا . ووقع الحاضرون ميثاق الهيئة .
وقد سبق ذلك الإعلان جهود حثيثة بعد قيام منظمة اليونسكو ( عام 1946 ) تركزت على إنشاء لجنة فرعية لليونسكو لشؤون الفنون والآداب تضم كتابا ومسرحيين من العالم . واتخذ قرار بإنشاء الهيئة بعد اجتماع لهؤلاء بمقر اليونسكو عام 1947 برئاسة ج. ب. بريستلي ( بريطاني ) .
إن هذا النضال الذي قاده المثقفون المخلصون في تلك الحقبة فيما بين الحربين العالميتين كان دون شك يعكس الظروف الصعبة التي سادت العلاقات بين المعسكرين الاشتراكي الشرقي والرأسمالي في الغرب وناجما بالتالي عن ضرورة توطيد السلام في العالم واللقاء بين الشعوب كما أشار السيد أندريه لويس بيرنتي ، الأمين العام الحالي للهيئة العالمية للمسرح ، وهو شعور بلغ تأوجه بعد الحرب العالمية الثانية التي تركت دمارا مخيفا في أوروبا والعديد من دول العالم القديم وظل ماثلا فيما بعد في التناقض بين المعسكرين . ففي تلك الآونة أخذت تلوح في الأفق نذر الحرب الباردة بين هذين المعسكرين بما تمثله من تهديد للمجتمع البشري والتوترات التي ألقت بظلالها على البشرية كلها .
وفي هذا المحتوى يقول البروفسور جورج بانو من جامعة باريس إن ما جلبته الحرب من دمار على البشرية قد قضى على مفهوم الاحتفال في أذهان الناس ، وكان ضروريا دفع المجتمعات والشعوب الى اللقاء وتجاوز ويلات الحرب عن طريق تنظيم الأنشطة المختلفة في المجال الثقافي والتعبيري خاصة . وهذا يفسر الاهتمام لدى الهيئة العالمية للمسرح بتنشيط ودعم عمل الحركات المسرحية ، كما يفسر ظهور العديد من المهرجانات الدولية والفرق المحلية في أوروبا والعالم ، ومن بينها مهرجان أفينون بفرنسا وسترادفورد ببريطانيا وميلان في إيطاليا ، كمناسبات للقاء والتفاهم بين الدول والمجتمعات .
في مثل هذه الظروف أذن نشأت الهيئة العالمية للمسرح وبدأت تلعب أفضل الأدوار الإنسانية وباعتبارها هيئة معنية بالدفاع عن الهوية الثقافية واللغات الوطنية للمجتمعات ومحاولات طمسها وذلك بمختلف الوسائل واضطلاعها بترتيب فرص اللقاءات المتبادلة بين فناني المسرح من المعسكرين وتنظيم دورات تدريبية للفنانين والتنسيق بين الحركات المسرحية وتشجيع أنشطتها الإبداعية والقيام ببحوث إبداعية ونقدية لخدمة فن المسرح أدى في النهاية الى توحيد جهود فناني المسرح في المعسكرين وتحقيقهم حالة من التوافق والانسجام الإنساني والإبداعي وتجاوز الخلافات والصراعات السياسية التي كانت قائمة آنذاك .
وقد حافظت الهيئة على هذا الدور الذي يعكس طبيعتها المنفتحة ومبادئها الإنسانية السامية ، ومن ذلك تنظيم الأنشطة الدائمة لها مثل مهرجان مسرح الأمم منذ عام 1956 في باريس الذي أصبح محور النشاط الثقافي وما يزال . ولعل جزءا مهما من قوة هذه المنظمة المسرحية ونجاحها عالميا يتمثل في تزايد عدد المراكز الوطنية التي تتقدم بطلب الانضمام إليها ، وعددها الآن 90 مركزا وطنيا . ويؤكد ذلك حديث الأمين العام للهيئة إذ يشير الى أن نشاط الهيئة قد ازداد بعد انهيار جدار برلين عام 1989 وان العشرات من دول العالم قد تقدمت بطلبات للانضمام للهيئة ، وقامت الهيئة بتشجيع تلك المبادرات وتوجيه الحركات المسرحية لتنشيط ونشر الثقافات الوطنية المهددة بالموت في هذه الظروف . ومن هنا تأتي في رأيي أهمية المشاركة في هذه الهيئة ودعم أهدافها النبيلة والأنشطة التي تنظمها ، وبخاصة بالنسبة لنا في دول الخليج العربية والمنطقة العربية .
* أهداف الهيئة ودورها
يتضمن ميثاق الهيئة عددا من الأهداف التي تعمل لتحقيقها انطلاقا من الأهداف العامة لليونسكو التي تخدم القضايا الإنسانية . وهذه الأهداف هي : تشجيع التبادل وتحصيل المعرفة في مجال الفنون الحركية، ودفع التعاون الدولي قدما ، وزيادة الوعي بأهمية الإبداع الفني ودوره في التنمية ، وتعميق التفاهم بين الشعوب ، وتشجيع السلام والصداقة والتعاون بين الشعوب لدعم أهداف اليونسكو ، ومقومة كل أشكال التمييز العنصري والسياسي .
وتلعب الهيئة العالمية للمسرح دورا مهما كوسيط يهتم بالتنسيق بين الحركات المسرحية في العالم وخدمة المسرح وتطوره من خلال متابعة أنشطتها والتعريف بها ونقل أخبارها وتشجيعها عن طريق المراكز الوطنية التابعة للهيئة . وبذلك فإن الهيئة لعبت منذ إنشائها دورا مميزا في التقاء المسرحيين والمثقفين المبدعين وتبادل الخبرات بينهم ومناقشة المشاكل والصعوبات التي تواجه العمل المسرحي وكيفية التغلب عليها .
* هيكلية الهيئة
تتألف الهيئة العالمية للمسرح من المؤتمر العام ( الكونغرس ) ويجمع كل المراكز الوطنية للهيئة ( عددها الآن 90 مركزا في أنحاء العالم ) . والمؤتمر العام يجتمع مرة كل سنتين في إحدى المدن أو العواصم الدولية . وهو أعلى سلطة في الهيئة . ومن خلال المؤتمر العام يتم انتخاب المكتب التنفيذي الذي يتألف من 20 عضوا لتسيير أمور الهيئة بين كل مؤتمرين .
|