مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي
الدورة الخامسة عشرة
القاهرة 1 – 11 سبتمبر 2003
الندوة الرئيسية
ملخص
التجريب المسرحي وميديا الترويج
في زمن الأزمات
بداية ، الكل يعرف أن التجريب المسرحي قد أصبح اليوم يشكل جانبا من الواجهة الثقافية العربية المسرحية ، ولو أنه لم يكن – مثل المسرح ذاته – صناعة عربية أساسا ، فهو لم يكن عنصرا بنيويا في ثقافتنا الوطنية في أي يوم من الأيام ، وهو مع ذلك ما يزال يسعى لتثبيت أقدامه في واقعنا الثقافي مستفيداً من الظروف الجديدة التي فرضتها الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية خاصة وما أتاحته من وسائل إعلامية عديدة .
وإذا كان التجريب في الغرب قد جاء أساسا كظاهرة محتملة لنقل ردود الفعل الإنسانية ومشاعر المبدعين والرواد حيال طغيان الآلة وضغوطها ، فهو بقي يعاني لفترة طويلة من الجحود نتيجة للصراع بين قوى التجديد والتقليد في المجتمع ، وهو صراع أكثر ما يبرز في وقعنا العربي . وفي كل الحالات فإنه في ذلك الغرب بصفة أكبر مما هو لدينا لم يكن نبتا شيطانيا كما يقال ، ولد في غفلة من الزمن التاريخي والاجتماعي ، بل نما وتطور في أحشاء هذا المجتمع مستفيدا من معطيات الثورة التقنية المتقدمة ووسائل الاتصال ، وبالتالي فإن تطوره بقي ملازما لتطور بيئة المجتمع الصناعي المتقدم الثقافية والحضارية .
في مجتمعنا العربي ، كان التجريب المسرحي فعل من المحاكاة لما يجري في الغرب ، ولكن حالة التأخير الشامل الذي يعيشه مجتمعنا ثقافيا وتكنولوجيا قد جعل التجريب المسرحي محروما من شروط تطوره الطبيعي ، وأقرب إلى الإسقاط لواقع غربي وظروف غربية بمقاييس ومعايير متقدمة على واقع مختلف فكريا ، ما جعل التجريب في كثير من الأحيان عبئا على ظاهرة المسرح . وفي النتيجة ، فإن التجريب كزوبعة تجديدية في المسرح ما تزال تبدو مأخوذة بواقع ومظاهر الأزمة .
أما فيما يتصل بالعلاقة المفترضة بين مفهوم الأزمة وبين التجريب وميديا التجريب ، كما جاء في عنوان المحور ، فهو ما أرى أنه يمثل نوعا من الإشكالية أو التحدي .
فمحاور الندوة الثلاثة تطرح مستويات ثلاثة للأزمة في علاقتها بالتجريب المسرحي : قبل وخلال وبعد الأزمات .
والحال ، وجدتني محاصرا بالسؤال : ترى لماذا هذا التقسيم الذي يوحي بإمكانية جعل الأزمة على سبيل المثال جزءا من العملية التجريبية ؟ وذلك حقيقة كان سؤالا ملتبسا علي في صيغته .
فإذا كان المعني المراد في المحور المطروح هو كيفية التجريب المسرحي ووسائله وآلياته في مواجهة الأزمات ، بالاستعانة أو من دون الاستعانة بوسائل الاتصال والترويج بصفة خاصة ، فلا بد من تحديد هوية الأزمة أولا ، ومن ثم ربطها بالتجريب المسرحي ، والتعريف بالتالي بدور وسائل الترويج الإعـلامي ( وسائل الاتصال ) ، بغض النظر عن الزمن الذي ألصق هنا " بالأزمات " وأيضاً بمستوى تلك الوسائل ( الميديا ) .
ولعلني أتساءل هنا : ترى أي " أزمات " تلك المقصودة في العنوان ويدور حولها الكلام ! أهي الأزمات الاجتماعية ، الفكرية ، الثقافية ، الأزمات السياسية ( وما أكثرها لدينا ) أم كلها مجتمعة ، حيث تصبح الأزمة أزمة وجودية تتعلق ليس فقط بالتجريب المسرحي ، بل تتعداه لتعانق واقع المجتمع ، والمسرح في أصله وتجريبيته جزء أساسي من هذا الواقع !
ونحن إذا اتفقنا هنا ، فيما يخص مفهوم الأزمات ، على مصطلح الأزمة معناه الأدبي فإن من الأهمية بمكان الانتباه إلى أن الأزمة تمثل بهذا الفهم مأزقا حضاريا حقيقيا يغطي جميع أوجه النشاط الفكري والثقافي والفني للمجتمع .
على أن ذلك في نظري لا يستبعد حقيقة كون الأزمة أيضا – كمظهر بنيوي للمعرفة ، صفة غير أبدية ولا يجب النظر إليها بأنها ظاهرة سلبية بشكل مطلق ، إذا وضعت في إطار التطور العام للمجتمع حسبما قلنا ، الأزمة في هذا السياق تعبير عن حالة إرهاصية في التطور ضمن سياق الفكر الاجتماعي ، تتمثل في حالة التأهب السلبي ، إذا جاز لنا التعبير ، للانتقال بالمجتمع معرفيـا ( إيستمولوجيا ) من بنية منظومة فكرية حضارية إلى بنية حضارية أرفع منها مستوى .
وباختصار ، فإن الواقع الثقافي العربي المأزوم إنما هو مأزوم لتردي بنيته الفكرية علميا ومعرفيا في هذه الحالة واستعدادها لتوليد واسـتقبال الأزمات .
ونظرا لمحدودية المجال الآن ، وحتـى لا نبقــى مؤرقــين بالأزمــة و " الأزمات " – أبعدها الله عنا جميعا – أن ما يعرف باللغة الانجليزية بتعبير ميديا Media هو ما يمكن أن يغطي في لغتنا العربية جميع وسائل / وسائط الاتصال ، بما هي أدوات معرفية وترويجية كما هي أدوات ووسائل التواصل . وبذلك تعتبر ميديا الترويج جزءا من هذه الوسائل . وقد كانت مقتصرة في السابق على الوسائل الأولية كالإشارة والبيان والمواد المقروءة والمسموعة ، ومن ثم المرئية لتصبح اليوم في إطار الثورة المعلوماتية ذات أشكال بالغة التعقيد مما يسمونه وسائل الاتصال الجماهيري mass media ، وهي وسائل خطيرة الشأن ، ومستخدمة في اتجاهين : تزويد الناس بالمعرفة ، وكمنبر إعلامي له دور ترويجي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية .
وتتميز هذه الوسائل الحديثة بقدرتها الفائقة على التأثير في المزاج العام وبخاصة لدى الأجيال الشابة ، وأظن أن هذا أهم مكامن الخطورة لهذه الوسائل الاتصالية ، فهي لذلك سلاح إيديولوجي مهم ، وساء كان في المسرح أو في غيره من الأنشطة يمكن استغلال الجانب الترويجي لوسائل الاتصال لخدمة أغراض أيديولوجي لتسويد ثقافة متطورة ، وهي دائما ثقافة لغرب على حساب الثقافات الوطنية .
وفي هذه الحال ، فإن الأيديولوجيا تتقنع بأردية الانفتاح الثقافي ودعاوي العولمة وتترافق بالدعوات الزائفة إلى الديمقراطية في كثير من الأحيان ، ولا يخفى ما تضمره هذه الازدواجية من تهديد للثقافات الوطنية والهوية . ومن هنا نسأل على سبيل المثال : من منا لم يلاحظ وربما يتأثر بما تمليه علينا وسائل الاتصال الحديثة من مبتكرات الابتزاز الاستهلاكي !
وفي مسرحنا العربي بدأت هذه المؤشرات تبدو على نحو أكثر إلحاحا ، وحين جاء التجريب المسرحي العربي لاجترار معجزات الحلول المناسبة لأزماته التي ، ربما خيل للكثيرين أنها ستكون كلها عصرية ، فإن المسرح التجريبي واجه واقعا صعبا يمثل واجهة لأزمات عديدة . ومن ذلك أن التجريب المسرحي العربي كما أشرنا لا يمكنه النمو بعيداً عن إطاره الوطني الصحيح دون الوقوع في مواجهة مع الذات ومع الأطر التقليدية الراسخة ومواجهة ذلك كله باعتباره وقوعا في خضم الأزمات .
وعلى الصعيد الذاتي أرى أن أزمة مسرحنا العربي تكمن في كونه " بلا شخصية " مستلة ، وأنه في الجانب التجريبي / التجديدي سيبقى يفتقد للكثير من عنصر الحسم في معركته الإبداعية لأسباب تتعلق بضعف القدرة على التطور الذاتي في هذه المعركة وارتهانه شبه الكامل للتقليد والسير في ركاب الآخرين ، والغرب تحديدا ، وقد نستثني هنا بعض التجارب المسرحية التجريبية التي نهضت خلال النصف الثاني من القرن العشرين في أكثر من بلد عربي وتستحق التنويه والذكر لجديتها وجدارتها ، وإن كتب لها أن تبقى دون تجاوز الحدود اللازمة لتعميمها كتجريب رائد .
لهذا ، فإن التجريب المسرحي في وطننا العربي يبدو مأخوذا سلفا بدوار الأزمة التي تمسك بتلابيب الواقع العربي برمته .
على أن الإنترنت ( الشبكة الدولية ) في هذه الظروف المتطورة يتحول بقوة إلى وسيلة كاسحة في هذه المجالات تشير بما لا يقبل الشك إلى أن وسائل الاتصال الحديثة قد اكتسبت اليوم أشكالا أكثر دهاء ومرونة غير مسبوقة في التاريخ .
والفنانون الآن يستطيعون باستخدام إمكانيات الإنترنت تحقيق الانتشار الكبير عبر مواقع خاصة مثلا للترويج لإبداعاتهم التجريبية ، وهو ما يجعل من الإنترنت الوسيلة الأكثر قدرة على تشكيل وعي الفنانين المبدعين لمختلف الظواهر والمنظومات الفكرية في الفن والثقافة ، إضافة لسهولة استخدامها ونجاعتها في الحوار بين الفنانين وبسبب رخصها النسبي في نقل المعلومات والتجارب وتبادلها بين المبدعين . فهذه الوسيلة الحديقة الدقيقة والسريعة تثير الفضول أيضا لحيادها الطبقي والأيديولوجي الظاهري ، على الرغم من أنها تتحول في نظر البعض إلى أداة لنشر الجريمة والرذيلة . وهي بذلك دليل فعلي على خطورة وسائل الاتصال في وجهيها السلبي والإيجابي أي فيما تروج له لأصحابها من جهة وما تنتجه من إمكانيات كبيرة في خدمة الفن والثقافة لمصلحة الإنسان والمجتمع .
وباختصار ، فإن الواقع الثقافي العربي المأزوم إنما هو مأزوم لتردي بنيته الفكرية علميا ومعرفيا في هذه الحالة واستعدادها لتوليد واسـتقبال الأزمات .
وأخيرا ، لا بد للمسرح في نظري وللتجريب المسرحي الجاد التمسك بخطاب المسرح المعرفي كأهم الثوابت الثقافية القائمة على خصوصية التجربة ، وخصوصية القيم الثقافية ، لأن سحر المسرح وروعته يكمنان في فرادته وطبيعته المفارقة التي تعرف كيف تتحدى الأزمات وتتجاوزها حتى في أصعب الظروف وأقسى الأزمات .
فؤاد الشطي
الكويت