التكنولوجيا واستخداماتها في المسرح
 

مداخلة مقدمة

في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ( الدورة 19 ) 1 – 11 سبتمبر 2007

التكنولوجيا واستخداماتها في المسرح

بين التوظيف والتسخيف

 

تمهيد

في البدء لا بد من أن يصار إلى توصيف دقيق لمفردة " التكنولوجيا " بقدر ما اتسعت هذه المفردة وأصبحت شائعة منذ عصر النهضة ، ثم التطورات التي لحقت حتى يومنا هذا في أواخر النصف الثاني من العقد الثاني للألفية الثالثة .

والتكنولوجيا من حيث اللغة – وهذا لا يخفى عليكـم – تعنــي " التقنية " أو " التقانة "  ، بمعنى إحكام إتقان الأمر ، فتقول مثلاً اتقن الأمر أي أحكمه وأتمه ، وفي معناها باللغة الإغريقية يقابل هذه الكلمة المفردة Technologia ، بمعنى المعالجة المنظمة Systematic Treatment .

لذا يثير هذا المصطلح على اتساعه في النفس البشرية العديد من الأسئلة التي تتطلب أجوبة علمية دقيقة ، لا يتسع هذا المقام للدخول بتفصيلاتها ، لإيماني المطلق بأن كل مستجد ومضاف إلى ما هو معلوم وقائم إنما يدخل في إطار هذه الكلمة .

لذلك ، فالتكنولوجيا رافقت المسرح وعاصرته منذ عهد الإغريق وما تزال . والا كيف يمكن تفسير ذلك التصميم الدقيق والمدروس لمواقع المسرح اليوناني والروماني بعـده   (Arena Theatre )

من حيث ضبط اتجاهات هندسة الصوت وتقسيم المدرجات المحيطة

بالمنصة التي يؤدى فيها العرض ، لولا أن توصل الإنسان في ذلك الزمان إلى فهم ميكانيكية الصوت واتجاهات الريح وسواها من عوامل أخرى مهمة .

كما أن الابتكارات التي قد تبدو بسيطة في يومنا هذا – مثل انتعال الممثلين للأحذية الكبيرة ، و ارتدائهم الأزياء الفضفاضة والأقنعة المصممة بفتحات للفم مشكلة بوقاً على أفواههم – ما هي إلا وسائل ابتكروها إمعاناً في إحكام دورهم بإيصال الصوت عبر مسارات محددة إلى كل أركان المسرح بما في ذلك استخدام وسائل الإضاءة الطبيعية والاصطناعية ، من مشاعل مضيئة وسواها مما يدخل في هذا الإطار أيضاً ، وصولاً إلى دخول العالم إلى عصر الكهرباء ، وانتقال المسرح من الفضاءات المفتوحة إلى الفضاءات المغلقة ( العلبة الإيطالية ) ثم المستجدات التي لحقت بميكانيكية تصميم دور العرض إلى ما نحن عليه اليوم من خشبات المسرح المتعددة الوظائف (الدوار والمصاعد Rotator/Elevator ) ، وكذلك ما استجد في علوم الصوتيات من ابتكار ( كالميكروفونات والمسجلات والسماعات .. ) ، والتطورات الهائلة في تقنيات الإضاءة المسرحية والمؤثرات الضوئية الساكنة والمتحركة على السواء ، وصولا إلى مبتكرات الصورة الثابتة إلى المتحركة حتى يومنا هذا الذي نعيش فيه ، عصر وسائل الاتصال الحديثة التي جعلت من العالم بحجم كف الإنسان ، وتأثيراته على كافة مناحي الحياة وعلى كافة صنوف الفنون الحية وغيرها .

وانطلاقاً من أن المسرح كائن حي يتفاعل مع المتغيرات التي من حوله ، لم يكن يوماً ، ولن يكون ، بمعزل عن هذه المبتكرات التكنولوجية الحديثة ، لذا فقد عمل المشتغلون في عالم المسرح على تطويع كل هذه المعطيات والمستجدات والمبتكرات الحديثة لتوظيفها من أجل الوصول بأعمالهم إلى أعلى المستويات التي يطمحون إليها في إيصال مقولة المسرحيات . ويبقى المعيار الدقيق للحكم على درجة حسن التوظيف مرتبطاً بأصل توصيف الكلمة ، التكنولوجيا ، التي تعني التقنية ( تقانة ) . وهنا تتفاوت حسب درجات الوعي والملكات التي يمتلك ناصيتها هذا المبدع المسرحي أو الآخر . وهذا هو الفارق بين حسن استخدام التكنولوجيا في التوظيف أو الانحدار به إلى التسخيف .

 

الاتجاهات التجريبية في الإخراج المسرحي

      لقد حدد القائمون على الندوة الفكرية أسماء بعينها كنماذج لمخرجين وظفوا التكنولوجيا في العمل المسرحي ، وتحديداً إيرفن بسكاتور وبرتولت بريشت . ولقد أصاب القائمون في تحديد الاسمين الأولين نظراً للتكامل والتقاطع بينهما . فإذا كان بسكاتور قد انطلق في فهمه لوظيفة المسرح من منطلقات إنسانية بحتة لدور المسرح في التعبئة الجماهيرية ، انطلاقا من تأثره بالإرهاصات الأولى للفكر الاشتراكي ، من دون الادعاء بانتمائه لهذا الفكر باستثناء جوانبه المتعلقة بالنواحي المعيشية والاجتماعية لحياة الناس ، ولإيمانه بوظيفة المسرح كأداة من أدوات المطالبة بالعدالة الاجتماعية ، مؤسساً لما عرف لاحقاً بالمسرح السياسي و مستخدماً كل وسائل الإيضاح والكشف لإيصال جوهر مسرحه إلى أوسع قطاع من الجماهير ، فكان ذلك يتم عبر استخدامه معطيات عصره من تقنيات ، من خلال توظيفه للشرائح الفيلمية والصور واللافتات السياسية وما يرافقها من المؤثرات الصوتية والضوئية ، بتسخير الممثل لديه كأداة مكملة لتحقيق التواصل وخلق حالة الانصهار والتوحد بين المتلقي وما يدور على خشبة المسرح ، ليس من منطلق التمرد على منهجية ستانسلافسكي في كسر الإيهام ، بل للذهاب بها إلى فضاءات أوسع وأرحب في خلق عوالم الدهشة والمتعة بالتزامن مع استخدام التقنيات المتوفرة في جل عروضه المسرحية ، للتمرد على النص المكتوب وصولاً للنص المعروض .

وما كان برتولت بريشت بعيداً عن بسكاتور وتجاربه المسرحية ، حيث أنه عمل معه مساعداً في جملة من عروضه ، فتأثر بمنهجيته المختبرية في التعامل مع المسرح وأدواته ، ليثور عليه من خلال عمق إيمانه بالفلسفة الماركسية الديالكيتية ، ثائراً ومحطماً المنهج الأرسطي على مستوى الكتابة المسرحية والمنهج الستانسلافسكي في التمثيل ، مؤسساً لما عرف لاحقاً بالمسرح الملحمي ، عبر استخدام الأدوات ذاتها التي استخدمها بسكاتور على مستوى التقنية ، وإن عمل على تأسيس نمط جديد لأداء الممثل في كسر الإيهام من خلال إشغال وعيه بأنه يمثل الشخصية ولا يعيشها ، يتخيلها وينفصل عنها ، مشتغلاً على الممثل وعلى المتلقي في آن واحد ، كاسراً ما اصطلح عليه أرسطياً بالحاجز الرابع ، خالقاً بذلك حالة من التوحد بين منصة العرض وصالة المتفرجين ، بإشراكهم في صنع الحدث انطلاقاً من معتقداته السياسية التي تذهب حتىأهمية انصهار الفرد في المجموعة ، معمقاً الدور الاجتماعي للمسرح ، لإيمانه بكونية الإنسان من خلال استعاراته الذكية للعديد من الأنماط والأشكال المسرحية والظواهر التعبيرية الشرقية كنتاج لسفراته المتعددة .

لقد كان بريشت مؤمناً بأن المسرح معلم ومتعلم ، ويستزيد من الآخر بقدر إفادته له ، ومؤمناً بالدرجة الأولى بجدلية العلاقة بين المسرح ومحيطه القريب ( الجمهور ) ومجتمعه الأوسع ( كونية المسرح وأمميته ) ، ودوره في إيقاظ الحس والوعي الجمعي .

ولعل مسرح بريشت الملحمي قد أحدث ثورة نوعية في العالم أجمع ، والمسرح العربي لم يكن بمعزل عنه ، فلقد انشغلنا نحن المسرحيين العرب به ولسنوات طوال ، كما نحن اليوم منشغلون بالمسرح التجريبي ، وقضايا الجسد وتحريره . ولكن الفارق بين معظم المسرحيين العرب وغيرهم أنهم يستنسخون الأشياء استنساخاً ويحاولون محاكاة هذه التجارب دونما إشغال للوعي والعقل ، ومن دون محاولة التأسيس لمنهجية علمية يعملون عليها من منطلقات فكرية ومعرفة علمية قائمة على البحث والتقنين .

ولعلي هنا أستحضر ثلاث حالات تمثل أوجه استخدام التكنولوجيا  إحداها تعبير حقيقي عن مدى حرفية ومنهجية القائمين عليها في توظيف التكنولوجيا لعرض أجنبي ، والثانية لعرض عربي قارب العرض الأجنبي بالكثير من التميز والإبداع ، ثم الحالة الثالثة سوء استخدام بلغ أقصى مدى له .

ولعل استحضاري لهذه الحالات الثلاث من خلال حضوري هذا الملتقى الفكري في القاهرة ، هو أنني شاهدت العروض الثلاث هنا .

فالعرض الأول الذي شاهدته خلال الدورة الرابعة من عمر المهرجان عام 1992 م وهو للفرقة الفرنسية " أليس " حيث بلغ أقصى درجات التطرف في مجال التجريب المسرحي الذي لا أميل إليه شخصياً ، وإن كنت مع مشروعية المبدع في البحث عن أدوات تعبيره الخاص ، وذلك أن العرض على جودته التقنية العالية جداً قد جرد كليا من عنصره الأساسي ، والمتمثل في الممثل ، حيث سخر العنصر البشري كأداة في خدمة التقنية ، وكنا لا نشاهد على خشبة المسرح إلا قطعاً من الإكسسوارات ( Props ) محاطة بمجموعة من الشاشات حيث يتم عرض مزيج من الشرائح الفيلمية والشرائح الصورية وإنعكاسات قطع الديكور المتناثرة على خشبة المسرح عبر تلك الشاشات ، ومن حين إلى حين يصار إلى تغيير أمكنة قطع الاكسسوارات تلك من خلال أشباح لكائنات بشرية وظيفتهم خدمة التقنية دونما تفاعل معها أو تعامل ، فكانوا عمال سخرة لتلك القطع .

وبرغم عدم حماستي الشديدة لعروض كهذه إلا أن درجة الإتقان والحرفية في توظيف التقنيات جعلتني مشدوها ومنجذباً إلى خشبة المسرح طوال فترة العرض ، حتى إذا ما انتهى العرض سعيت للالتقاء بفريق العرض لأفاجأ بأنهم مجموعة من الشباب والشابات اليافعين ، عملت على توثيق علاقتي الإنسانية بهم عبر المراسلة أولاً ، ومن ثم خلال زيارتي لهم في عقر دارهم بإحدى المقاطعات الفرنسية ، حيث أنهم يتخذون من إحدى الطواحين القديمة مختبرهم المسرحي هذا ويعملون بتناغم فيما بينهم ، فالطاحونة تلك هي مختبرهم ومسكنهم ، ولقد اصطحبت في زيارتي تلك اثنين من أعضاء الفرقة التي أتشرف برئاستها للاطلاع على مدى جدية وتفاني المشتغلين في المسرح في العالم الآخر في أعمالهم .

وأما المثال الثاني والمتمثل بالعمل المسرحي المصري ، يقف وراءه مبدع كبير من المبدعين العرب فهو عرض لمسرحية " انقلاب " للمخرج الفنان الأستاذ جلال الشرقاوي ، والذي قدمه من خلال فرقته الخاصة ، حيث اعتمد على تقنية المسرح التشيكي المعروف والذائع الصيت " ألتيرنا ماجيكا " Alterna Magica . فقد استعان بخبراء مختصين تشيكيين في عمله الاستعراضي هذا بين تداخل المشاهد السينمائية والعرض المسرحي الحي ، وبلغ فيه مستوى التقنية درجة عالية من الإتقان ، رغم استخدامه المحدود لكل فنون التيرنا ماجيكا في العرض إلا أن حسن استخدام التقنيات أضفى الكثير من المتعة والدهشة على العرض المسرحي الذي حالت ظروف خارجة عن إرادة مبدعه في ألا يأخذ حقه الكامل من العروض . ولعمري فإن الأستاذ الشرقاوي أحسن توظيف التقنية لأنه اعتمد على المنهجية العلمية في عمله هذا .

أما الحالة الثالثة والأخيرة والتي لن أشير إلى القائمين عليها ، احتراماً مني ومحبة لهم ، فهي تسخيف استخدام التكنولوجيا في المسرح لعرض مسرحي قدم من خلال مسرحية من القطاع الخاص يفترض أنها مسرحية فكاهية ، أدخل مبدعها الذي أحب تقنيات الليزر في المسرح فكان استخدامه لهذه التقنية استخداما بشعاً وسيئاً ، لم يضف للعمل شيئا يستحق الذكر ، وأساء للتقنية بذاتها وهمشها ، بحيث اختصر استخدامه لتلك التكنولوجيا المكلفة آنذاك ، كمقدمات غير متجانسة ولامتوافقة مع بقية العرض ، بحيث أن التقنية لم تصل وإن كان الآخرون في العرض وصلوا ( الشاطر يفهم ! ) .

وخلاصة القول ، ليست العبرة في استخدام التكنولوجيا من عدمـه ، ولكن العبرة في حسن استخدامها والارتقاء بها إلى مستوى المفردة ( التكنولوجيا ) .

فؤاد الشطي

الكويت سبتمبر2007

 

 

 

 

 

 

 

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com