شهاده الأستاذ الفنان فؤاد الشطي
عن تجربته الشخصية في مجال العمل المسرحي
( مهرجان الكويت المسرحي السابع )
12 – 21 أبريل 2004
أ . فؤاد الشطي :
ليست هناك في ذهني شهادة أقدمها الآن .. لكن حديثي سيكون من القلب إلى القلب . فأنا لا أحضر شهادات ، أما الشهادة الوحيدة التي سأحتفظ بها فهي ( شهادة الوفاة ) .
أ . حاتم السيد :
أيها الحضور الكريم ،
طاب مساؤكم حيث يطيب المساء بكم .
قبل أسبوع سألت الفنان خالد الطريفي ، وكان عائداً من مهرجان الشارقة المسرحي : هل رأيت فؤاد الشطي ( أبو أسامة ) هناك ؟ قال نعم ، رأيته . رجل " يجنن " .. فسألته : كيف ذلك ؟ ماذا تقصد ؟ قال " يجنن . وهو يمشي تراه متألقاً ، يضوي أحمر ، أخضر ، أصفر .. " .. قلت له : هل تعرف ، فؤاد الشطي مثل مولد كهربائي للضغط العالي، يولع المدارس والكنائس والجوامع والمعابد والطرقات والبيوت ، يضيء كل شيء ( وهو أيضاً يولد ضغطاً عالياً لنا _ ضحك ) .
لقد عرفت الصديق الأخ فؤاد الشطي من خلال ريبورتاج تلفزيوني في بداية السبعينيات ، بعد تخرجي من القاهرة ، وكان فيما أظن حول مسرحية له ، أعتقد أنها مسرحية " الثالث " . وطبعاً ، من خلال الحوار والكلام أحببت أن أتعرف على هذا الرجل . ولم تتح لي فرصة للتعرف عليه إلا من خلال مهرجان دمشق للفنون المسرحية ، وهو يعتبر أبو المهرجانات المسرحية ، وله الفضل الكبير لأنه عرفنا ببعضنا بعضاً وبتجاربنا ، وما يدور في العالم العربي ، والفنانين هنا وفي المغرب العربي ، الطيب الصديقي ، المنصف ( السويسي ) ، سعدالله ونوس ، صقر الرشود – كلهم عرفناهم من خلال مهرجان دمشق المسرحي .
طبعاً ، في مهرجان دمشق للفنون المسرحية تستطيع أن تكتشف الناس ، فهو مهرجان لا جوائز فيه – لا أحد يذكر أنه نال جائزة من مهرجان دمشق – هذا مهرجان لا جوائز فيه . لكن الشيء الحقيقي فيه أنك أنت كفنان تأخذ حقك فيه " على الطاولة " ، من خلال النقاش والندوات الفكرية . وكذلك تستطيع أن تكتشف الناس وتتعرف عليهم أكثر وأكثر ، وتتقرب منهم أكثر من خلال أفكارهم، وفنهم ، ومن خلال الندوات واللقاءات التي تنظم ، وفي جلسات المساء الخاصة التي تتم . ففي مثل هذه الجلسات المسائية نستطيع أن نتحدث عن كل ما لا يمكننا قوله في الندوات الرسمية . وهكذا تعرفت على فؤاد الشطي هناك ، وكان لي الشرف أن أكون صديقاً له .
ومن خلال مسيرتنا معاً في المسرح، شاهدت له مسرحية " رحلة حنظلة " ، وقد لفت نظري كعرض مسرحي ( وأظن في هذه الصالة – صالة الدسمة ) ، ولهذا استضفته في عمان . وطبعاًٍ شاهدت له أكثر من عمل مسرحي ، في قرطاج ، وفي بغداد ، وبذلك تعرفت عليه أكثر وتوثقت علاقتي به أكثر .
كذلك ، تزاملنا في إنشاء اتحاد المسرحيين العرب المغيّب ، والذي نأمل أن تعود له الحياة ، حتى يمكنه أن يجمع أكبر قدر ممكن من المسرحيين العرب في إطاره ، وتشاركنا أيضاً في إنشاء اتحاد الفنانين العرب في دمشق عام 1986 ، وتشاركنا في لجان تحكيم ، حيث عرفت كم هو فؤاد الشطي موضوعي في آرائه ، من خلال النقاش الذي يدور في جلسات التحكيم : رجل لا يتحيز ، رجل موضوعي جداً . وهذا ما زاد من إعجابي به أكثر . وفيما بعد أيضاً كرمنا معاً في مهرجان قرطاج عام 1993 م .
الكلام عن فؤاد الشطي يطول .. يطول كحكاية . فهو حاضر في كل جزئية وتفصيل في تاريخ المسرح العربي ، هو قامة من قامات المسرح العربي ، عامود كبير في بيت المسرح الكويتي ، فإذا كان للبيت أربعة أعمده فإن فؤاد الشطي أحدها دون شك . فهو قامة كبيرة ، وأقول هذا على الرغم من أن من الصعب على الإنسان التحدث عن صديق له . لكن الحقيقة هي أن فؤاد الشطي هو كل ذلك .
وطبعاً ، أنا هنا لن أتحدث عنه أكثر من ذلك ، لأن دوري الآن إدارة الجلسة ، ويجب أن أكون محايداً ، لكن صداقتي مع الأستاذ الفنان فؤاد الشطي تحتم علي قول هذه العبارات القليلة عنه ، وهي عبارات قلتها ببساطة ، راجياً أن تكون قد أوفت هذا الصديق الفنان الأستاذ فؤاد الشطي جانباً من حقه علينا .
وسأترككم مع الفنان فؤاد الشطي ليتحدث إليكم عن تجربته في مجال العمل المسرحي . فرحبوا معي به .
أ . فؤاد الشطي :
أيها الأخوات والأخوة ، أسعد الله مساءكم ، وتحية المحبة والإبداع .
في البداية ، أشكر كل من حضر ، وأتلمس العذر لمن لم يتمكن من الحضور ، كما أود أن أشكر شكراً صادقاً من القلب القائمين على إدارة المهرجان مرتين : المرة الأولى على مجهوداتهم التي بذلوها والتي يواصلون بذلها من أجل إنجاح فعاليات هذا المهرجان ، والشكر الثاني ( وإن كان مشكوكاً في أمره نحوي بأن ورطوني في هذه الورطة الجميلة / ضحك ) بأن ألقي بشهادتي ، وأن يقدمني – وأتشرف بأن يقدمني – أخي وحبيبي وصديقي اللدود الأستاذ حاتم السيد ( الذي يكبرني بخمسين عاماً ! ) ، وهو ما يشكل إحدى التناقضات التي تشهدها هذه المنصة ، أما التناقض الثاني فهي أن تأتي شهادتي عقب شهادة أختي وحبيبتي وزميلتي ورفيقتي في المشوار ، الرائدة المسرحية مريم الصالح ( التي تصغرني بثلاثين عاماً ) ، وأن يعقبني كمسك ختام لهذه الشهادات ، أحد كبار كهنة المسرح العربي الأستاذ سعد أردش .
هذه المجموعة الخيرة ذات العطاءات العريقة في تاريخ الحركة المسرحية العربية ، أن أحاط بكل هؤلاء ، هذا بحد ذاته تكريم يفوق الوصف والخيال . ومن روح هذه التناقضات سأتكلم حديث الروح للروح ، حديث القلب للقلب ، لأنني لست من الذين يجهزون أوراقاً عندما يأتي للحديث عن الذات ، والحديث عن الذات من أصعب الأمور على المرء ، ولكنني سأحاول أن أنزل من وتيرة الذات المضخمة إذا كانت مضخمة فعلاً ، وأن أحاول أن أتوارى وراء جملة من الأشياء .
أنا ولدت ونشأت وترعرعت في أحد الأحياء القديمة من الكويت ، هي منطقة شرق ، هذه المنطقة التي ما تزال عالقة في وجداني وكياني ، وكلما اتجهت إليها الآن وآراها كما هي عليه – صدقوني – أبكي حنيناً إلى الماضي الذي عشته . أنا ابن التناقضات ، تناقضات المجتمع ، في مرحلة ما قبل التحول من النفط إلى مرحلة النفط . نشأت في أسرة مكونة من خمسة أشقاء وشقيقة ، لأني لي من الأخوة المبعثرين في كل أنحاء العالم العدد الكبير . كان أبي بحكم عمله تاجراً يرتحل من مكان إلى مكان . وكلما استقر في مكان اقترن بإنسانة ، وأنجب أخاً . وحقيقة، هذه شكلت عقدة في حياتي ، فأنا أحد الذين يعتبرون أن الأصدقاء أقرب إليهم من الأخوة الذين لم يحدث أن تعرفت إليهم بالشكل الذي يجب أن يكون .
لا أتذكر متى بدأت تعلم السباح أو المشي لأن هذين النشاطين كان متلازمين في حياتنا في تلك المنطقة حيث نشأت في بيت مبني من الطوب الرملي المجبول بالقش والصخر البحري والأسقف الخشبية التي جلبت أخشابها من غابات أفريقيا ومن الهند ، وسعف نخيل البصرة والفاو . وهكذا عشت المرحلتين والنقلتين ، تحممت بماء البحر ، بينما كان يتم تشطيفي بالماء الزلال الشحيح آنذاك في الكويت للتخلص من آثار ملوحة ماء الخليج الذي كنا نستقيه من الآبار .
وقد كانت منامتنا في أيام الصيف القائضة فوق سطوح المنازل ، تلحفنا السماء الزرقاء بنجومها المتلألئة وقمرها الساطع . وكنت منذ الصغر غير ميال للنوم المبكر فأسهر وأذهب بعيدا في محاكاة النجوم ، محاولا أن أربط هذه النجمة بتلك عبر امتداد السماء . وإذا كان هناك من فضل في تكويني فهو بشكل رئيسي يرجع لأخي وشقيقي المرحوم عبدالله الشطي ، وكان هو من أوائل المتعلمين في الكويت ، ويمتلك ناصية لغات عديدة . وكان بيتنا لا يخلو من الكتب و " الغراموفون " والاسطوانات ، وأعداد مجلتي " آخر ساعة " و " روز اليوسف " وجريدة الأهرام التي كان يقرأها على مسامعي كما كان يحاول أن يحدثني باللغة الإنجليزية. وكانت هناك وفرة من الكتب المتناثرة ، وهذا كله ما شكل وعيي ودفعني نحو القراءة ، خاصة وأنا الشقيق الأصغر لأشقائي .
وقد تواصل عندي هذا العشق للقراء منذ الصغر حتى الآن . ومع ذلك كانت الأحياء عبارة عن غابة مصغرة، فإما أن تكون ذئبا أو تكون نعجة ، وعليك أن تختار، فاخترت أن أكون ذئباً . فالشراسة تولدت في هذه المنطقة ومن هم أكبر مني سنا يدركون معنى ما أقول .
وكنت أشكل فريقا من صبية الحي بأعداد كبيرة ، حيث كنا معا نحرك الحي بأكمله ، لأن " الضباع " الصغيرة تستطيع بكثرة عددها أن تفترس أسدا أو أسدين في ذلك الحي ، وكنا نحن ضباع ذلك الحي .
وقد تفتح ذهني بوجود دار للسينما ، وهي سينما يتيمة ، سينما المنطقة التي كانت تقدم أفلاما عربية وأجنبية وهندية. ولكي نذهب إلى السينما كنا نعقد اتفاقيات صداقة وهدنة مع أبناء الحي الآخر التي تقع السينما فيه ونسمح لهم بالمقابل بالمرور من حينا عندما يذهبون إلى السوق . وكنا في ذلك نستخدم كلمات السر الخاصة بنا . وكانت تجربتي مع السينما قد بدأت منذ صغري ، وأنا في سن الرابعة ، حيث عشقت هذا الجمال على الحائط ، حيث الممثلون يتكلمون ويتحركون ، فكان ذلك شيئا مذهلا بالنسبة لي ، ضربا من الخرافة .
وبعد أن أعود للبيت ، أحلم وأنا سهران ، فيذهب خيالي بعيدا مع هؤلاء ، يذهب بعيدا في محاكاة ما أشاهد. ولا أدعي اذا قلت إنني حفظت النسخة الأولى من فيلم عنتر وعبلة عن ظهر قلب بعدما شاهدته مرتين ، فحفظت حواراته تماما وكنت أمارس "دكتاتوريتي" كما أشار إليها الأستاذ حاتم على أبناء وصبية "الفريج" ونستعمل خيمة أو خيام من الخيش ونعمل مصاطب من صناديق وعلب الخضار الفارغة .. المهم أن عشقي للفن نما من خلال مشاهدتي للسينما . وطبعا بعض الأسر الميسورة والدور آنذاك كانت تستأجر كذلك " ريلات " الأفلام وتشاهدها في البيوت، عرض " ماتيني" للنساء وعرض soire ( سواريه ) للرجال ، لكن بحكم طفولتنا كنا نذهب للحفلتين .
هكذا عشقت هذا الفن ، والفن بصفة عامة ، والقراءة المتواصلة . كانت هناك مكتبة ، نتنافس أنا وزميل لي على لحظة فتح بابها ، حيث يشتري هو مجلة " سمير " أو أنا أشتري ميكي أو بساط الريح أو السندباد ، حتى أصبح فيما بعد أحدنا يقرأ المجلة ويعطيها للآخرين . كتب أرسين لوبين في سوق الحراج سابقا ( سوق المقاصيص ) خلف الشارع الجديد إذا تتذكرون ، كنا نلتهمها بعيوننا التهاما , وكانت المكتبة المركزية خلف سوق الدعيج ، لو رجعتم إلى سجلاتها في مرحلة الخمسينيات والستينيات لرأيتم انني كنت مداوما فيها من أول افتتاحها – مثلا من الساعة الثالثة والنصف عصرا حتى لحظات ما قبل إغلاقها . هذا إلى جانب كل شيطنة الدنيا و" بلاستها" ، والعنف والعراك الذي كنا نمارسه في الحي .
إذن المكون الطبيعي في النتيجة شخصية متناقضة تناقض الحي ذاته ، تناقض المجتمع ذاته .
أول مرة أتعرف على المسرح كنت في السنة الثانية من المرحلة الابتدائية في مدرسة النجاح الابتدائية ، وكان ناظرنا آنذاك الأستاذ عبدالوهاب الزواوي . وهذا الرجل الفاضل كان محبا لكل ما هو جميل في الحياة ، فكان معنيا بالمسرح إلى جانب كل الأنشطة الدرسية فشكل فريقا للتمثيل ، فاستدرجني أخي الأكبر مني مباشرة، صديقي وشقيقي الأستاذ سلمان الشطي ، وجر رجلي للمسرح لكي يتركني ويذهب بعيدا .
كانت اول مسرحية أشارك فيها حول المطوع ، حيث مثلت دور تلميذ شقي . وكان الناظر حينذاك هو معلقنا الرياضي حاليا ، الأستاذ صادق بدر ، ولعلكم تعرفونه . ويفترض أن أواجه في دوري كطالب شقي عقوبة " الفلقة " وكانت فلقة حقيقية يومها .
ولكن المهم بعد ذلك تواصلت رحلتي من ذلك الوقت مع المسرح المدرسي. وكنت أتابع المسلسلات الإذاعية من صوت العرب وإذاعة الشرق الأوسط آنذاك، فأسرح بخيالي معها ، حيث كانت الإذاعة مجالا خصبا لتنمية التخيلات ، فتجلس تتخيل الحركة ، واللباس ، وتركيبة الشخصية . وكنت أنتظر الوقت الموعد لمتابعة المسلسلات التي كانت تذاع آنذاك، حتىظهرت فكرة عبقرية من تربويين عباقرة ـ وكنا نعيش في زمن جميل جميل برجالاته، وأخشى أن أدخل في تسميات لا أستطيع الخروج منها – لكن كان ذاك زمنا جميلا في الكويت مع رواد عصر التحديث والتنوير الذي عشناه، فنحن جيل محظوظ لأننا عشنا في كنف هؤلاء الرجال .
الفكرة العبقرية التي جاؤوا بها كانت فكرة الأندية الصيفية التي كانت تحتوينا خلال العطلات الصيفية، والإدارة فيها لها دور إشرافي فقط، بينما الطلبة يديرون كل شيء بدءا من الهيئة الإدارية التي يصار إلى انتخاب رئيس لها في اجتماع عام ، وانتهاء بكل الأنشطة والفرق الأخرى . الموجهون كانوا يوجهون نشاطتنا عن بعد ، ويراقبون تصرفاتنا وكان من حظي أنني كنت متواصلا مع هذه الأندية. وكنت لله الحمد أحظى بثقة الطلبة ، ليس طلبة مدرسة واحدة لأن في كل حي من الأحياء كان هناك ناد طلبته من عدة مدارس . وكنت محل ثقة الجميع ، حيث كان لديهم إجماع على اختياري لرئاسة الهيئة الإدارية فيما كان النشاط مستمراً .
وكنا في المدرسة نعمل أعمالا ، حتى الآن حين استعيدها بذاكرتي أجدها ترقى إلى مستويات ما يقدم الآن . وكانت هناك فرق منافسة لنا، وعلى سبيل المثال مدرسة الشامية، كان المنافسون لنا من الجهة الأخرى اثنان من الأصدقاء الأعزاء على قلبي ، وقد توفاهما الله الآن ، وهما المرحوم الفنان كنعان حمد والفنان الكبير المرحوم أحمد جوهر سالم .
وفي يوم من الأيام سمعت في الراديو ان دائرة الشؤون الاجتماعية والعمل تعلن عن تأسيس فرقة المسرح العربي وتدعو الشباب للانضمام للدفعة الثانية لهذه الفرقة . ذلك كان عام 1963 . فجعلت أخي عبدالكريم يكتب لي رسالة طلب انضمام لكي أتفاجأ بعد شهرين بدعوتي لحضور ندوة في عمارة أنوار الكويت، وهي عمارة قديمة بشارع فهد السالم ، حيث كانت إدارة المسرح هناك .
ذهبت ومعي قاسم عودة شقيق فكري عودة ، مدير إحدى القنوات الفضائية التلفزيونية . وهناك ملأنا طلب الانتساب وخضعنا لامتحانين ، ما أزال أذكرهما : أحدهما مقطع من مسرحية صقر قريش ، إحدى أولى المسرحيات التي قدمتها فرقة المسرح العربي وهي من إخراج الأستاذ زكي طليمات ، وتبدأ بالعبارة: لست صقرا يا خليفة بغداد إنما أنا نسر ... " . وكان الثاني من قصيدة شوقي في مسرحية كليوباترة وتقول بمطلعها " روما حنانك واغفري لفتاك ... ".
المهم اننا دخلنا الامتحان . وكان أول وجه أقابله هو الأستاذ جعفر المؤمن . ولمن لا يعرف جعفر المؤمن ، كان أحد نجوم الوسط الفني في مرحلة الستينيات وحتى أواسط السبعينيات . وكان نجما لامعا، ويماثل شكري سرحان ، وهو رجل وسيم، وكانت تربطني به علاقة من خلال صداقته مع شقيقي عبدالكريم . وحين رآني سألني " ها فؤاد ، أين أنت ذاهب ؟ " فقلت له سأتقدم إلى الامتحان . قال " يا بني أكمل دراستك ولا تصير مثلنا ... ، لكن مع ذلك قدم الامتحان. وفعلا تقدمت للامتحان . وحين ابتدأت بأول جملة قال لي الأستاذ زكي طليمات : " لا . قل كلاما كوميديا من عندك يا بني ". زكي طليمات، هذا الهرم الكبير .. فارتجلت شيئا كوميديا ، فقال لي : كفى ، كفى ! جميل يا ولد ، جميل ! ( وكنت بهذا الطول منذ سن 11 سنة فأبدو أكبر من عمري ) وقد فوجئت بقبولي وسقوط زميلي الآخرين .
تساءلت ، كيف أروح وكان يومها مسرح كيفان ( التحرير حاليا ) جديدا ومجهزا كأفضل دور العرض المسرحية في منطقتنا العربية، ذلك في أوائل الستينيات. وكان لدينا مسرح هنا، الذي تحول إلى استوديو الدسمة أيضا، مسرح له المواصفات ذاتها في الستينيات، وكان هناك مسرح في الشامية أيضا. ( اليوم نقول يا رب أكرمنا بدور عرض مسرحية ! ).
المهم قبلت في المسابقة ، لكن ماذا يجعلني أذهب من منطقة شرق إلى كيفان ؟ كان يجب أن أركب باص رقم 1 ومن ثم إلى المحطة الرئيسية حيث آخذ باص رقم 13 وهذا يحتاج إلى 20 فلسا والآخر إلى 30 فلسا أي 50 فلسا ذهابا ومثلها للعودة ، ذلك شيء كثير علي . لذك انقطعت سنتين حتى تحولت الفرقة إلى فرقة أهلية ، مباشرة حينها أسس الأستاذ زكي طليمات ما يسمى بمركز الدراسات المسرحية . تقدمنا للمركز وكان قبولي فوريا لأنه يعرفني بالاسم، ولي سجل في المسرح العربي وكان معي السادة الأخوة حمد ناصر ، وعبدالمجيد قاسم ، ومحمد سليمان ، واحمد مساعد ، ومحمد خضر ، وعلي المفيدي ، الذي كان يسبقني بدفعة ، وجعفر المؤمن ، ومريم الغضبان ، ولم تكمل ، ومريم الصالح ، وخالد النفيسي ( اللي طفّر الأساتذة ، وطلع ) ، وحسين الصالح وآخرون ... دخلنا المركز وكان منافسي على المستوى النظري الأستاذ محمد سليمان، كان هو الأول بفضل الدراسة النظرية وأنا أكون الثاني لكن بيني وبينه في التمثيل 80 درجة فأنا الأفضل ) وشكل لي عقدة في السنتين الأوليتين ( فقد ذهب لاستكمال دراسته بالقاهرة فصرت أنا الأول ) ضحك ) .
ثم تطور المركز فصار معهدا فأكملنا ، وفي ذلك الوقت كنا نعمل في الإذاعة كممثلين وكان من يعمل معي في الإذاعة هم أساتذتي في المدرسة ، منهم المرحوم محمد العشماوي ، ولطفي عبدالحميد عامر . وكنا نخرج معا بسيارة واحدة في الظهر نقرأ أدوارنا معا ، ونعود في المساء فنسجل حلقات متناثرة ، وأجرة الحلقة دينار أو دينار ونصف ، لكن المهم والهدف كان عشق العمل .
في المسرح العربي كان كل نجوم الكويت موجودين، فكنا نحن نشكل الخط الرابع في الفرقة ، بدءا من الأستاذ البريكي الذي كان نجما إذاعيا كبيرا ، ونجما تلفويونيا في الخط الثالث . وجوهر سالم أيضا في الخط الثالث وهناك أسماء كبيرة أين نحن من الأستاذ عبدالحسين عبدالرضا ، أين نحن من الأستاذ خالد النفيسي ، وكان الأستاذ غانم الصالح يعتبر من الصف الثاني. وهذه التراتبية كانت تقلل من فرصنا في مشاركتهم في أعمالهم التلفزيونية الناطقة باللهجة الشعبية لذلك كان منفذنا الأعمال باللغة العربية: أسباب النزول ، مدينة النور ، من المسلسلات الرمضانية . كنا نخترق عن هذه الطريق ، إذ من يعرف مثلا فتى في سن 14 سنة يمثل دور رجل في الثمانين ، لكن كنا نستمتع بذلك .
وهكذا تواصلت الرحلة ، وتخرجنا من المعهد، وكنت في المتوسطة ضعيفا بالرياضات وأنجح فقط مجازا في هذه المادة ، عقدة حياتي كانت مادة الرياضيات. عقدني أستاذ حين ضربني لأني لم أحفظ جدول 2 . لذلك يسمح المدرسون لي بالخروج من دروس الرياضيات فأذهب إلى المرسم أو إلى غرفة الموسيقى ، وكان الأساتذه يقولون: هذا سيكون فنانا ، لا يريد الرياضيات ، وفي المتوسطة لم أكن أفتح كتابا لأذاكر في المواد الأخرى ، بل أقرأ أشياء أخرى غير الكتب المدرسية وكنت جيدا في كل المواد ماعدا الرياضيات، عقدتي . وفترة الامتحانات بالمتوسطة كانت مهمة جدا، فالكويت عندها تقوم ولا تقعد : لجان وخلط طلبة وتوزيع . وقد وضعت في لجنة لا أعرف فيها أحدا. أخذت أفكر في مادة الرياضيات ، وأولها الهندسة أخذت أنظر وأفكر دون جدوى وأخير كتبت (( راجع الكتاب ص )) وسلمت ورقة امتحاني وخرجت وفي المواد الأخرى كتبت الشيء نفسه (( راجع الكتاب ص ) وخرجت فسقطت . وكان علي دور ثان ، وصارت حكاية ولم أكمل ، أكملتها منازل ونجحت بفضل أحد أبناء عمومة أحد أصدقائي الفنانين حيث جعلته يكتب لي الاجابات في الرياضيات بنفسة حتى حصلت على درجة 49 من 50 في هذه المادة وكدت ان أسقط في الجغرافيا التي أنا جيد فيها .
ثم دخلت المعهد ، معهد المعلمين وكان معي يومها في الدفعة ذاتها الدكتور محمد المسيليم، وهو الآن وكيل وزارة التربية المساعد لشئون المناهج، والاستاذ عبداللطيف العوضي، مدرس جامعي. وكان مسيطرا في المعهد أساتذة لهم توجه ديني فانقلبت من ذلك الطالب الشقي إلى طالب وديع ومهذب عجيب .
وقد كانت لنا أنشطتنا المسرحية والبحوث ، وكانت هذه البحوث محل تنافس بيني وبين الدكتور محمد المسيليم، مرة هو الأول ومرة أنا. وكنا نعمل في المسرح طبعا حيث عملت في فرقة المسرح العربية فنيا، بالملابس وكومبارس وتنظيم الصالة . لم أرفض عملا في مجال المسرح فقمت بأدوار صغيرة وأخرى كبيرة وكنت كما يعرف بعض الموجودون هنا الأستاذ عبدالعزيز، الأستاذ حمد ناصر وآخرون ، قد وصلت إلى مجلس الإدارة دون بلوغ السن القانونية عبر انتخابات شارك فيها كبار المسرحيين وأحظى بنيل شرف ثقة الفنانين الكبار وأعضاء الجمعية العمومية لكن لم نكن نستنكف عن خدمة فرقتنا.
كنا في الغرفة نسمي أنفسنا الجماعة الطليعية ونعمل في المكتبة المسرحية، أول أمين للمكتبة المرحوم كاظم القلاف ، والكاتب اسماعيل فهد اسماعيل كان قد استقر لتوه في الكويت ، وفايق عبدالجليل ( الله يفك أسره ) قد بدأ بنفس شعري جديد . وكنا نشكل جماعة منسجمة ونقرأ كل شيء عن المذاهب السياسية والاصدارات الجديدة ، لكن لم نكن مؤدلجين في الحقيقة . كان حسن الشارع هو الذي يهدينا ، وأنا أتذكر في عام 1956 خرجنا مظاهرات ورمينا السفارة والقنصلية البريطانية بالحجارة ولا أدري ماذا لكن كان لدينا ذلك الحس الذي يسود الشارع الكويتي .
وباختصار، تواصلت المسيرة دون ادعاء. وبعد أن أنتهيت دراستي بالمعهد اشتغلت في التلفزيون ، وأخرجت العديد من البرامج بكل أنواعها ، لأن نحو عشرين مخرجا تلفزيونيا كانو أرسلوا لدورة في ( بي بي سي ) فأخرجت منوعات وبعد ستة أشهر من دخولي هذا المجال أخرجت مسلسل شرباكة للفنان عبدالحسين عبدالرضا. فكنا نستلم النص في الليل ونصوره في اليوم الثاني، إضافة إلى سهرات وبرامج تلفزيونية كثيرة ، حتى جاءت بعثتي إلى أمريكا. وكنا أيضا مجموعة كبيرة وجيدة . كان قد سبقنا الأستاذ رضا الفيلي والأستاذ المرحوم عبدالوهاب سلطان عضو فرقتنا وكان معنا الأستاذ فيصل الضاحي والأستاذ حافظ عبدالرزاق والأستاذ أحمد البقشي ، كما كان قد سبقني الأستاذ سعد الفرج . فكان هناك تنافس ولكل إنسان توجهاته وقد كنت شخصيا مع الجماعة لكني أكثر حرية، فأدخل في ورش مسرحية درامية هنا، وأخرى هناك . وكما ذكرت في محاضرة استحضرناها ، كانت لنا أنا والأستاذ سعد الكثير من المشاهد التمثيلية المشتركة وهناك تعرفنا على أشياء مهمة جدا .
وفي المعهد أيضا لا أنسى دور معلمي وأستاذي وقدوتي في الحياة زكي طليمات ، الأنسان الذي يقّوم اللسان الذي يصعب تقويمة، وكذلك الأستاذ المرحوم محمد توفيق ، فهؤلاء علامات فارقة في حياة أي انسان كان يعمل معهم . الأستاذ طارق عبداللطيف حين جاء إلينا كان شابا لكنه كان يمتلك ناحية التعليم، تعلم فن الأداء وفن التمثيل . ولا أريد أن أتكلم عن الثقافة المسرحية والأستاذ علي جمعة ، ولا عن علم النفس والدكتور سلامة أحد خيرة الأساتذة الذين عرفتهم وكتبوا في علم النفس وغيرهم من الأساتذة .
وقد كان المسرح العربي مدرسة بالنسبة لي عندما تشاهد الكبار وتستمع إليهم وتعايشهم تتعلم الشيء الكثير . في التلفزيون والندوات والمسرح أنت تتعلم . وعندما رجعت من أمريكا وجدت المسرح العربي في حالة اختلال واضح نتيجة لخروج كل من الصديقين العزيزين الفنانين عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج وتأسيسهما ثاني فرقة خاصة وهي فرقة الوطني وقبلها كانت فرقة المسرح الكويتي الكوميدي التي أسسها الفنان عبدالأمير التركي .
وقد عز علي كثيرا هذا الخروج للفنانين الكبيرين . وقد ذهبت إليهما كما يعرف البعض هنا وقلت لهما ابقيا في المسرح واعملا ما بدا لكما لكن لا تتركا المسرح . وقالا لي : مع الأسف يا فؤاد القيود الموجودة في المسرح لا تمكننا من العمل في المسرح وهذا مجهودنا وأحلى سنوات عمرنا نريد أن نستثمرها لصالحنا . وتفهمنا ذلك . وفرخت فرقة المسرح العربي خمس فرق مسرحية .
حين جئنا نحن الجيل الجديد وأمسكنا زمام أمور الفرقة بقيادة أخي وصديقي د. حسن يعقوب العلي وكنت أنا أمين سر الفرقة حفاظنا على الرموز . فاخترنا نص مسرحية " السلطان الحائر " لتوفيق الحكيم وأسندنا إخراجها تقديرا واعتزازا لمخرج الفرقة الأول المفغور له حسين الصالح الدوسري وقد وضع شروطا فلبينا كل تلك الاشتراطات . قال أريد الفنانة الكبيرة سميحة أيوب كبطلة للعرض ، فوافقنا وذهبت إلى القاهرة للاتفاق معها وبعد أن ألتقيت الأستاذة سميحة أيوب ، وكانت هي مديرة المسرح القومي ، اتصل بي الأخ حمد ناصر وكان يومها أمين الصندوق بالفرقة والدكتور حسن يعقوب وقالا لي إن الأستاذ حسين الصالح اعتذر وقد كلفناك بإخراج العرض المسرحي . فقلت لهما أرجو أن تعفوني من هذه المسؤولية لأن الإخراج المسرحي ذاته صعب . صحيح أنني أخرجت للتلفزيون، وأنا أتدرج ، فمن المفترض أن أكون مساعد مخرج للأستاذ حسين الصالح ، وذلك كان شرفا كبيرا لي آنذاك . وأكدت لهما أن الإخراج المسرحي مختلف عنه في الإذاعة والتلفزيون ، فهو عالم آخر مختلف ، ويحتاج أن يكون للمخرج مقومات مختلفة . لكنهما أصرا على أن ذلك هو قرار اتفق عليه في الفرقة ، ويجب أن تذعن له . وبذلك سلمت أمري وذهبت للسيدة الكريمة سميحة أيوب وشرحت لها ما حدث من تغيرات وأنني سأخوض تجربتي الإخراجية على مستوى الاحتراف ، وأنا الآن بحاجة إلى ممثلة لكن ليست نجمة كبيرة . فاقترحت اسم فاتن أنور ، وهي من خيرة الممثلات، فأحضرناها إلى الكويت، وبعد صراعات وعذاب خرج العرض المسرحي ولله الحمد وكان مرضيا في كل جوانبة نقديا وجماهيريا حيث استقبلها الجميع برضا. وبدأت مسيرة الإخراج المنوع ، مسرحية أخرجها أنا وأخرى الأستاذ محمد خضر أو مخرج من خارج الفرقة ، حتى استقر الأمر وقال لي الأخوة في الفرقة ، ما دمنا نحقق نجاحات في فرقتنا فلتكن أنت متواصلا مع الإخراج . ذلك هو زبد العمل .
وما أريد قوله باختصار أن مسيرتي انطلقت من الصفر ، وما أزال أدور في دائرة الصفر . وإذا تحقق لي أنجاز خاصة على صعيد المسرح لا يتحقق إلا بمجهودات جماعية وتظافر الجهود. وانا من خلال هذا اللقاء أشكر كل إنسان مد يد العون لي وكل إنسان علمني حرفا أو كلمة أو وجهني الوجهة الصحيحة وما نزال في بداية الطريق نتعلم . وكما قلت في البداية أن الشهادة الوحيدة هي شهادة الوفاة . وعدا ذلك كل شيء عرضة للتأويل والقيل والقال ، حتى الشهادات الدراسية لا يعتد كثيرا بها. وهذه زبدة الكلام ولا أريد الدخول في منهجيتي وأموري وأعمالي ربما تكلمت عني .
شكرا لكم ، وآسف للإطالة .
حاتم السيد :
شكرا للفنان فؤاد الشطي وأعتقد أن مداخلتكم هي التي سوف تثري الموضوع اكثر .
سعد أردش :
في الحقيقة فؤاد الشطي أكثر من صديق وأكثر من زميل وأكثر من قامة مسرحية عربية . ولقاءاتنا كثيرة وأحبابنا كثر ، ودعواتنا كثيرة خصوصا في دار المسرح العربي – وأتعجب كيف لم يذكر العزائم الكبيرة التي كان يقوم على إعدادها وطبخها بنفسه في دار المسرح العربي ويدعو الفنانين المسرحيين في الكويت .
التقينا مع فؤاد الشطي عبر السنوات الخمس التي سعدت بها في الكويت تدريسا وإخراجا وتأليفا وترجمة ، وكنا نتحاور طويلا ولم ينقطع الحوار حتى الآن . وامتد الحوار إلى لقاءاتنا في مختلف المهرجانات، بوجه خاص في مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي . وكنت إلى جواره في محور من محاور الندوة الرئيسية في العام الماضي (2003) وكان متحدثا عظيم الحديث طرح أفكارا رائدة .
استوقفني في حديث فؤاد الشطي نقطة مهمة جدا . قال في لحظه من لحظات حديثه اننا كنا نقوم بمظاهرات في حب الثورة ، ثورة 1952 على ما أعتقد ، لكني لم أكن متأدلجا . أنا شممت رائحة تناقض في هذا التقرير . كيف تنبري للاحتفاء بالثورة بما تنطوي عليه الثورة من أفكار ومبادئ ومن آمال قومية وغير قومية ، دون أن أكون متأدلجا؟ وهل يا ترى الأفكار الإيديولوجية مستمرة معك حتى الآن رغم ما قمت به من إخراج أعمال تقوم بالدرجة الأولى على الفكر الايديولوجي ؟ وأنتظر الإجابة .
فؤاد الشطي :
بداية يا أستاذي الكريم إنه ما بعده شرف أن تكون أول المتحدثين وأن يكون هذا الإطراء صادرا عنك . فأنت معلم ، ومعلم كبير ، وقد تحاورنا حوارات شفاهية كما تحاورنا عن طريق المسرح أيضا عندما كنت تتصدى لإخراج أعمال مسرحية في الفترة ذاتها التي كان يتصدى لإخراجها الراحل الكبير صقر الرشود ومن جهة أخرى الفنان القدير المرحوم كرم مطاوع ، وأخونا وصديقنا الأستاذ الكبير أحمد عبدالحليم .
كنا نتحاور كذلك حوارات مسرحية ، كان هذا هو العصر الذهبي للحركة المسرحية الكويتية بوجود أحد معلمي المسرح وفرسانه الراحل الكبير الأستاذ عبدالرحمن الضويحي والراحل الكبير حسين الصالح الدوسري والأستاذ الراحل الكبير حسين الصالح الحداد، كانت أعمالنا تتحاور مع بعضها بعضا .
عندما قلت كنا نقرأ الأيديولوجيات حقيقة خانني لفظ التأكيد على الانتماء، وأنني كنت ميالا إلى فكر ما ، ولا يمكن لفنان مثلي إلا أن يتعاطف مع فقراء الناس وضعافهم . وحتى يكون كذلك لابد أن يكون يساري النزعة والتصرف والسلوك ، وأنا أعتز بذلك ، وأنا أبن ثورة 1952 وأعلن ناصريتي من أعلى المنابر ، وأعلن عن قوميتي في كل المناسبات ولكنني تحدثت عن التنظيم . لم أنظم. عندما قرأت الفكر الماركسي الشيوعي اللينيني بكل جزئياته ، عندما قرأت الفكر العروبي بكل توجهاته المختلفة كذلك، وعندما قرأت كل الأفكار ذات التوجهات السياسية لم أومن بالتنظيم لأني أؤمن بأن الفنان يجب أن يكون طائرا حرا يغدو في سماء مفتوحة ، سماء غير مرتبطة بقيود . وأيضا يستطيع أن ينتقد تجربة من ينتمي إليهم على المستوى الفكري والسياسي. هذا هو موقفي ، ثق بأنني ما أزال على هذا الطريق والموقف .
د . سعد أردش :
شكرا على الإجابة ، فقد أوضحت شيئا مهما جدا هو أنك لم تنكر أنك إيديولوجي وتؤمن بفكر تقدمي إنساني بصرف النصر عن التنظيم وليس كل فكر إيديولوجي منظم ، فيما أعتقد . أنا شخصيا لم ألتحق بحزب من الأحزاب إلا عندما أنشيء الحزب الناصري في السنوات الأخيرة . وأنا سعيد لاعترافك الأخير لأنني أعتقد أن الفنان بوجه عام ورجل المسرح بوجه خاص لا بد أن يكون على يسار المجتمع ، بمعنى أن يكون ثائرا على الواقع الاجتماعي ، داعيا إلى تطوير هذا الواقع وإلى تحقيق العدالة بكل ألوانها : السياسية ، والاجتماعية ، والاقتصادية .
فإذن نتفق على أن فؤاد الشطي مخرج مسرحي، رجل مسرح، إيديولوجي، بصرف النظر عن نوع هذه الإيديولوجية ولو أنك صرحت بها صراحة إذ قلت أنك تنضم إلى الفقراء وهذا يكفي لرفع راية العدالة الاجتماعية .
القضية الثانية ربما هي في السؤال التالي : بما أنك أحد قادة ورواد الحركة المسرحية في الخليج ، ومع هذه الاحتفالية الكبيرة التي نعيشها الآن في الكويت – مهرجان الكويت المسرحي السابع – واحتفالية كبيرة سبقتها في أبو ظبي منذ مدة قصيرة في مهرجان مسرحي خليجي، مهرجان الشارقة المسرحي، كيف ترى مستقبل المسرح في الخليج والمسرح العربي ؟ وهل تعتقد ان المسرح العربي قد نال من الرعاية الرسمية والشعبية ومن التخطيط العلمي ما يستحقه كمؤسسة تثقيفية تنويرية ؟ شكرا .
سميرة بارودي :
أحييك أستاذ فؤاد الشطي . الحقيقة أن الأستاذ سعد أردش كبيرنا في هذه الجلسة يمكن سأل جزءا كبير من السؤال الذي كنت سأطرحه، لكن سبق وأن رفعت يدي طلبا للكلام فلن أتراجع .
كلنا يعرف أن المسرح مساحة للقول والإبداع والمتعة ، وهو مساحة هائلة للجنون والحرية . إلى أي مدى هذا المسرح استطاع أن يوصلك إلى الحرية في عالمنا العربي ؟
عبدالعزيز السريع :
الأستاذ فؤاد الشطي بالنسبة لي كتاب مفتوح . عرفت الكثير من إنجازاته وأعماله وتابعتها منذ بدأ . وكنت أتمنى أن يخصص جزءا من كلامه عن مفهومه الذي اشتغل عليه في العرض المسرحي، شغله في الإخراج لأنه كوّن اتجاها في الإخراج المسرحي ، ولم يأخذ حضوره في الواقع ومكانته الكبيرة إلا من خلال عمله الفني بالدرجة الأولى . صحيح أن عنده صفات إدارية نادرة أوصلته إلى مراكز كبيرة ، لكن المهم في فؤاد الشطي الفنان المخرج ، وهذه الناحية كنت أتمنى أن يجلوها أمام الأخوة وأن تسجل للتلفزيون لأن تسجيلها يجب أن يفيد منها الآخرون .
الأمر الثاني انه كان هناك مجموعة من الطرائف مرت معه في علاقاته برموز أجلاء ، كنت أتمنى أن يأتي عليها مثلا واقعة الرسالة التي بينه وبين توفيق الحكيم ، وأيضا علاقاته مع آخرين في الوطن العربي، وصراحته التي كانت تتسبب له في بعض الأحيان بحرج شديد في بعض المهرجانات والتجمعات. وأنا هنا أحيي المهرجان لأنه أحسن اختيار من يتحدثون في هذه الدورة والأستاذ فؤاد الشطي نموذج نعتز به ونفتخر بأن يكون أحدنا ومن إخوتنا فنحييه .
د. فايز الداية :
أسعد الله مساءكم جميعا ، وتحية إلى هذا الضيف، وأظن اننا لابد أن نقف موقف المحقق لأن حديث الذكريات الجميل والسلس، والإطراء الذي يأتي من طرفنا ، وهو أهل له ، هذا لا يجدي في جلسة لمهرجان المسرح الذي يريد أن يكشف وأن يعلم وأن يفتح الطريق وأن يتجاوز ما كان من قبل .
نقطة تحتاج إلى صراحة من ضيفنا : أنت بدأت مخرجا وحدثتنا عن البداية وقلت : لي فتوح في هذا الميدان . وكان ذلك فعلا في مهرجانات وأعمال كثيرة ، ولكن أريد أن تحدثنا بصراحة أو أن تتحدث عن كبوة المسرح لمدة طويلة . المسرح الكويتي ظهر وعلا ووصل إلى قامة سامقة ولكنه بعد ذلك تبدد أهله إلى فرق في المسرح التجاري والتلفزة وغيرها وغيرها ، كما انكفأ الكتاب المسرحيون . في خمسة عشر عاما لا نستطيع أن نحصي ثلاثة أو اربعة من الأعمال المسرحية التي تستمر ، وأيضا لا نستطيع أن نسمي ثلاثة من الأعمال المتتابعة لمؤلف واحد من رجال المسرح .
وإذن هناك مشكلة في المسرح . فما هو دورك، أنت واحدا من مخرجي المسرح ، واحدا من رواده ، هل دافعت عن المسرح ؟ هل حاولت – مع غيرك طبعا – أن تنقذ المسرح ؟ أين المشكلة . إذا ذكرنا أهل المسرح مؤلفين ومخرجين كان لنا عبدالعزيز السريع وصقر الرشود وحسن يعقوب ، وأيضا كان هناك من قدم أعمالا ولو كانت قليلة كالنشمي وغيره ، إذن ، ماذا فعلت في خمسة عشرة عاما ؟ هل عشت على الماضي وأمجاده أم أنك أردت ولم تستطع ؟ لأن الجواب يعطينا تعويضا في خطواتنا القادمة .
محمد عبدالله :
أولا لا يختلف اثنان على أن الأستاذ فؤاد الشطي قامة كبيرة من قامات المسرح الكويتي والخليجي. وهو أيضا كاتدرائية مسرحية ضخمة تمشي على قدمين. وهذه أقولها دون مبالغة فهذا شعوري الشخصي تجاه هذا الفنان الكبير .
تعرفت به شخصيا قبل ربع قرن في مهرجان دمشق المسرحي ملتقى المسرحيين، تعرفت عليه عام 1979 ولا أنسى الذكريات الجميلة والجلسات الجميلة في فندق الشرق في قلب العاصمة السورية دمشق . تلك الأيام الرائعة الجميلة وذلك الانفتاح وذلك التوهج والألق المسرحي العربي من خلال ذلك المهرجان العتيد والكبير . الحقيقة انني أتمنى، كما تمنى عليك الأخوة يا أستاذ فؤاد، أن تتحدث عن منهجك الإخراجي وعن تجربتك مع مسرح الشارقة الوطني، تلك التجربة الخصبة التي نعتز بها نحن في دولة الإمارات العربية المتحدة .
أنت جئت معلما وأستاذا ، أذكر أنه عندما جئت إلى الكويت لنتفق معك والأخ الفنان سيف الغانم رحبت بتلقائية شديدة وقبلت الدعوة بلا شروط وجئت إلى الإمارات . وهناك اجتمعت مع مجموعة كبيرة من فناني مسرح الشارقة الوطني وأنت سعدت بهذا اللقاء تماما وعملت معهم . وبعد أيام قليلة بعد أسبوع قلت لي " أخي محمد اسمح لي ، أريد أن أقول لك شيئا فلا تزعل مني " وأضفت قائلا : " جئت من الكويت لأخرج لكم عملا مسرحيا وهذا شرف كبير وأعتز به ، لكن اسمح لي ان أقدم اعتذاري لأني لا أستطيع القيام بهذه المهمة . وسألتك لماذا ". فقلت " قبل ان أعلمكم الإخراج يجب أن أعلمكم الأخلاقيات المسرحية . أنتم هناك تفتقدون إلى أبسط الأخلاقيات المسرحية ". وبالفعل زرعت في شباب مسرح الشارقة الوطني ، تلاميذك وأبنائك ، تلك الأخلاقيات الجميلة للمسرح والتي لا يمكن لأي مخرج أن يقوم بإخراج مسرحية مع مجموعة إن لم تكن تلك الأساسيات موجودة في المسرح . فلك كل الشكر والتقدير والتحية ، وأنا سعيد جدا بأن أقف أمامك وأن أتداخل معك .
أريد فقط أن أذكر أننا قبيل أيام الشارقة المسرحية دائما يتم الاتصال بي من قبل الأخوة المسرحيين في الشارقة ، ويلحون على ضرورة استضافة الأستاذ فؤاد الشطي . ويقولون ، رجاء لا تنسوا استضافة الفنان فؤاد الشطي ولكن بشرط ألا تجعلوه في عضوية لجنة التحكيم حتى لا نحرم من آرائه في الندوات التطبيقية ، لأنه الضيف الوحيد الذي يتكلم بكل موضوعية وصراحة وجرأة ولا يخشى في قول الحق لومة لائم . إن هذا مطلب جماعي لأبنائك ، أن تكون أنت دائما معهم . قبل يومين قابلت أحد الفنانين هنا في الكويت وقال لي: منذ عشرين سنة وأنتم تدعون الفنان فؤاد الشطي . لماذا ؟ ألا يوجد في الكويت غير فؤاد الشطي ؟ وقلت له : بلى . هناك فنانون، لكن فؤاد الشطي مطلب شعبي في الإمارات ، مطلب جماعي وشعبي ، ليس فقط من قبل الفانين بل حتى من قبل سمو الحاكم الشيخ سلطان بن محمد القاسمي ، فهو دائما يسأل عنك ويود أن تكون معنا وأنا أحييك تحية كبيرة ، وأتمنى لك طول العمر ، وأن تمضي معنا في هذا المشوار الجميل وهذا الفن الجميل وبالصحة والعافية لك .
علي مهدي :
لقد قصدت أن استثمر هذه المشاعر الجياشة التي تحيط بفؤاد الشطي الآن ، لذلك أدعو له بطول العمر ، فالدعاء لله سبحانه وتعالى مطلوب في مثل هذه الهالة من العشق التي تحيط بفؤاد متمنيا أن تدوم . وأنا لم أشهد فؤاد بهذا الجمال منذ سنوات وبهذا الألق والبهاء . هذا اليوم هو متألق أكثر .
الحقيقة ، أنا سأتحدث عن نقطتين ، الجانب الإنساني في فؤاد الإنسان، وفؤاد رجل المسرح ورجل الدولة . وهذا التعبير أقصده وسأتحدث عنه قليلا .
الإنسانية التي أعنيها عند فؤاد هي العنف الإنساني عنده وهي إضافة إلى مسألة رفيق دربه أبو منقذ (عبدالعزيز السريع) في منهج فؤاد . وهذا المنهج هو منهج إنساني . الذي يعرف فؤاد ، في ظاهره ذلك العنف الظاهري وتلك القوة والصلابة التي تبدو حتى في الكلمات التي يختارها في تعبيره والجمل التي لا تراجع ، جمل فؤاد لا تراجع أبدا ، تخرج ويصعب مراجعتها . ولقد عملت معه أكثر من 15 عاما منها 14 عاما و 364 يوما أراجع جمل فؤاد لأحسن منها أحيانا . لذلك هذه الجمل وهذه الشخصية التي تبدو فيها الحدة ، أو هذا الوضوح في طرح الآراء يحتكر ، أو يخفي الفن الراقي، الرقيق ، الفن المعبر عن دواخل الفنان عندما تتوازن عنده الأشياء .
عندي فؤاد كمخرج ومنهجه في الإخراج متوازن مع أشواقه كإنسان لتحقيق أسئلته الخاصة في الحياة ، وهي أسئلة منذ ذلك الملعب الصغير والبحث عن صيغة المقارنة والبحث عن صيغة " الذئب أم الحمل " . لذلك ، الفن عنده حمل والعرض عنده خارجه زي . لكن هذه شطحة من شطحاته ، وتحتاج إلى تفاصيل أكثر ، وهذا ما يبدو لي في مشهد فؤاد المسرحي وعلى وجه الخصوص في آخر عرض شهدته لفؤاد عندما أدار رواية محفوظ عبدالرحمن ، وذاك كاتب أيضا في الأفعال عنده تستتر كثيرا الجمل . لذلك هذا هو الإنسان في فؤاد ، هذا هو الفن الإنساني ، والفن دون إنسانية لا قيمة له بصرف النظر عن كونه يقف في اليمين أو اليسار . ومسألة اليمين واليسار لا تحدد مشروعية ، أين تتجه أنت ، يتحدد موقعك من النقطة الصحيحة في اليمين أو اليسار ، ووقوفك أمام القضايا التي تهم الآخرين لا تحتاج إلى اتجاهات بقدر ما تحتاج إلى صدقك في معالجة الأزمات نفسها . وفؤاد الشطي المخرج استطاع في رؤية واضحة وبصيرة تتجلى فيها قدرة على التعبير بالوسائط التي يمتلكها ، آلياته التي يعالج بها الموضوعات المسرحية والصورة فيها واضحة .
لذلك فإن ذهابه في ذالك الاتجاه يمينا أو يسارا قد يتغير في كل عام . ولهذا فان يخرج فؤاد الشطي ما لم تعرف عنه من تلك الاتجاهات ، وأن يقر بها الآن، فهو يقع في باب حماسة الأشواق المحيطة بفؤاد .
النقطة الأخيرة هي عن فؤاد رجل الدولة . لقد أسهم فؤاد الشطي ، رجل المسرح ، بعقل راجح وبصدق واضح وبآراء نيرة في بناء مؤسسات عربية كانت جزءا من أشواقنا نحن أهل المسرح ، أن نعيد تنظيم أنفسنا وأن نبحث عن الماعون الذي يستوعب هذه الأفكار بناء الكيانات ، الكيانات التي تعبر عن حالة المسرح العربي والكيانات التي تبحث في كيفية وإمكانية تطور المسرح . وكيف يمكن أن يعبر عن المجتمعات ، مثل اتحاد المسرحيين، بصرف النظر عن واقعه – وأنا دائما متفائل ولا يخبو عندي الأمل في أن الغد سيكون أفضل لمثل هذه التنظيمات . فهذه التنظيمات ولدت في ظل ظروف بالغة التعقيد ، ظروف لا يمكن أن يلتقي فيها اثنان، فما بالك في التقاء 17 شخصا نقف في اليمين وفي اليسار، في كل الاتجاهات، ثم خرجت هذه التنظيمات ، خاصة اتحاد المسرحيين العرب والاتحاد العام للفنانين العرب في أوقات ما كان يمكن أن نلتقي فيها . لكن صبر بعض إخواتنا، وأنا أقول عن فؤاد رجل الدولة لأنه من أهل التأسيس، وهؤلاء هم أصحاب المبادرة ، والمبادرة تحتاج إلى وعي : كيف نطرحها وكيف تتابعها، وكيف تتنازل وقت الحاجة للتنازل ، وأن تكون بعيدا عن المقدمة . هذه هي القيم التي تتوفر في رجل الدولة ونحن لا نتكلم عن رجل الدولة الذي يحكم ، بل رجل الدولة الذي يبدع والذي يستطيع أن يدير الأشياء بحيث تبدو انها منتظمة على رغم انها غير ذلك في الداخل .
ثم هناك فؤاد ، رجل الدولة في المحافل الدولية ، وفي المؤسسة العالمية ( المعهد الدولي للمسرح ITI ) وقد شهدنا في مرسيليا يوم انتخب عضوا في المجلس التنفيذي وهو أعلى هيئة أهلية تعمل في مجال النشاط المسرحي تتبع اليونسكو يوم كانت هذه الهيئة تتبع اليونسكو . فقد كان ذلك الانتخاب بالإجماع، كان بالاتفاق حوله ، وكان ذلك بصوته الجهير وبالحركة التي يدخلها إلى المكان ويضفيها على الفضاء الذي يكون فيه . فحيث يتواجد هو تجد في المكان دائما رياحا مختلفة ، من صبا ونجد وغيرهما من الرياح . ولذلك أجمع عليه الأحباب جميعا وكنا نحن العرب على قلة عددنا يومها في ذلك الفضاء المسرحي نساهم لكن سبقنا أهل أمريكا اللاتينية وأهل آسيا في محبتهم .
انتقلت مع الحبيب فؤاد إلى أقصاء الدنيا، شرقا وغربا، وكان أخرها البرازيل. وقد تعثرت اتصالاته بين الكويت والبرازيل ونجحت الخرطوم في توصيله ( حيث لدينا تقنيات متقدمة جدا في مجال الاتصال في الخرطوم – ضحك )
هذا هو فؤاد الذي أحببت أن أضيفه ( ليس تنفيذا لتعليمات رئيس الجلسة – الدولة – ضحك ) لكن لأنني أعتقد أن فؤاد لم يعطنا كل الصورة ، ترك لنا ، لكل منا أن يجمع صورة مختلفة . لكن إذا جمعتها وحاولت أن تعطيها إطارا فهي صورة أبهى .
محمود حربي :
طبعا ، هي مشكلة أن يتحدث المرء بعد هذه الكوكبة المتميزة من الفنانين، لكن حين نتحدث عن فؤاد الشطي وأنا قاصد أن أقول فؤاد الشطي فقط – لأنه قامة وقيمة ، قامة فنية عالية وقيمة كبيرة ، لا تحتاجان إلى توضيح .
بالنسبة للفنان فؤاد الشطي – وأنا لا علاقة لي بالمسرح ولم نعمل سويا، أنا رجل من العامة – لكن فؤاد الشطي رجل مناكف ، بمعنى الكلمة ومشاغب ودائما هذه صفة من الصفات الجيدة . وأنا أريد منه أن يتحدث في موضوعين باعتباره يمثل جزءا من تاريخ المسرح في الكويت .
القضية الأولى هي البناء ، بناء المسرح . الكويت فيها نهضة عمرانية كبيرة جدا وتضاهي أحدث الدول لكن للأسف المباني المسرحية في الكويت – ونحن زرنا بعض الدول التي تأخذ معونات من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية ولديها مسارع كبيرة جدا وللأسف ـ يتواضع أمامها المباني المسرحية الكويتية .
القضية الثانية هي قضية التنظيم المسرحي ، وأقصد الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية أنا أفهم أنه اتحاد للمسارح الأهلية هذا الشكل أما آن الآوان أن يتغير وان العضوية تكون فردية وتشمل جميع الفنانين لا عضوية مسارح أهلية فقط ؟ .
يوسف الحمدان :
حين أتحدث عن الفنان فؤاد الشطي أتكلم عنه من أيام السبعينيات وهي رفقة طويلة ومهمة جدا في حياتي . طبعا فؤاد وإن كان في الدولة فسيبقى يساريا ومعارضا في الدولة أيضا . وما حققه هو نتاج نضالي ، نتاج صراع ومشاكسة في الرؤية والفكر والرأي .
أول ما درست في مرحلة السبعينيات تعرفت على أعمدة حقيقية ، ومنهم الأستاذ فؤاد الشطي من خلال مسرحية نورة ومسرحية ديرة ، ومن ضمنهم الأستاذ الفاضل عبدالعزيز السريع والمرحوم صقر الرشود ومجموعة من الفنانين الذين تعلمنا منهم أشياء كثيرة .
الحقيقة أن أول مرة رأيت فيها فؤاد الشطي في مسرحية ديرة كنت طالبا في المعهد ، وهو لم يعرفني حينذاك، وكنت مشاكسا حتى في الندوات التي تنظم .
ولو تلكمنا عن فؤاد الشطي فلا بد من العودة قليلا . طبعا دوره واهتمامه بالشباب . وقد عشت هذه التجربة حيث دعم مسرحية " رأس " من تأليف وإخراج الشاب نادر الحساوي وقدمت في المعهد العالي للفنون المسرحية إلى جانب الاهتمام بالشباب في مسرحنا مسرح الصواري ، حيث كان دائما معهم ويسهر طويلا والتقيناه في عدة مهرجانات وشعرنا بدعمه للشباب ولمسناه، فكان مدرسة ، وله دور كبير في الحنو على الشباب وتأجيج الوهج الفني لديهم ليبدعوا في المسرح .
وهناك نقطة أخرى بالنسبة للفنان فؤاد الشطي أطرحها عليه ، لماذا توقفت يا ابو اسامة عن المسرح ؟ لماذا أبو أسامة يشتغل في الجوّين : الجو المسرحي من خلال للفرق الأهلية ، ومن خلال الجو التجاري ، تجربة تحفظ له قيمته الإبداعية والفنية ، وتجربة أعتقد أنها تقلل من قيمته الإبداعية ، هذا سؤال هل هو راجع في الأساس إلى أن التناقضات ولا أريد الوقوف عندها ، لأن كل إنسان يعاني من هذه التناقضات ، سواء أتت من خلال أفلام أم من التجربة ذاتها، من خلال راهن معيشي ؟
ومسألة أخرى، أنت ابن المسرح العربي ومن المؤسسين في هذا المسرح هل أنت مقتنع بها الآن ؟ هل تشعر أن هناك تجربة تطورت في هذا المسرح ، أم سنبقى مرهونين بحقبة السبعينيات الذهبية التي رأينا فيها هذا الوهج الحقيقي . فقد رأيت فؤاد في " احذروا " ببغداد وشاهدت " رحلة حنظلة " في تونس وغيرهما الكثير من التجارب للفنان فؤاد الشطي وكانت كلها تحفظ القيمة الإبداعية له . وأنا أسأل أين الجيل الآخر الذي تأسس بعد أبو أسامة في المسرح العربي وفي المسرحي الكويتي ، وليس فقط على مستوى الإخراج بل التأليف فمن طلع لدينا من الكتاب بعد ( أبو منقذ ) مثلا ؟ .
المسرح الكويتي كان له دور عندنا في البحرين . كنا نحج إلى الكويت لنشاهد التجارب المهمة ، وليس في المسرح بل في الديمقراطية ، فالديمقراطية بالكويت من أهم الديمقراطيات في الوطن العربي . والآن لماذا كل شيء في تراجع : ثقافيا وإبداعيا وفنيا ؟ وأنا أسألك يا أبو أسامة ألا تتخلى عن المسرح الكويتي، عن التجربة والعمل، وفي هذه الأيام الثلاثة الماضية لم أرك هنا فافتقدتك كثيرا . اللقاء معك على هامش الفعالية مثير وهو من أجمل اللقاءات . لهذا أرجو أن يمد الله بعمرك ويعطيك الصحة والعافية ، وتبقى ذخرا للكويت ولنا وللجميع .
موسى زينل :
أنا لم أكن قد طلبت الكلام لكن يدرك الأستاذ حاتم السيد أنني لابد أن أتكلم عن فؤاد الشطي .
الأستاذ فؤاد الشطي كما قال الجميع قامة كبيرة في المسرح العربي الكويتي ، سمعت عنه قبل أن نلتقي لكن لقاءنا المباشر كان في الرباط، كان مهرجان نظم لمرة واحدة وكان مقدرا له ان يستمر ويصبح المهرجان العربي الرئيسي ، المهرجان العربي الأول والأخير .
خلال أيام المهرجان عدنا عن طريق باريس وكنا أصدقاء وكأننا نعرف بعضنا منذ عشرات السنين ، ومنذ ذلك الوقت تواصل حب حقيقي للأخوة أبو أسامة وأبو منقذ ولجميع وجوه المسرح الكويتي من خلال الشخصيات وشهدت الكثير من معاركه في سبيل المسرح في منطقة الخليج والمسرح العربي بشكل عام ، فهو كما قيل عنه وأؤكد أنا أنه من مؤسسي المهرجان المسرحي للفرق الأهلية بمجلس التعاون ، وهو من أهم الإنجازات الثقافية على مستوى منطقة مجلس التعاون الخليجي، وهو مستمر في العطاء ، وأضم صوتي للأصوات التي سبقتني متسائلا أين أبو أسامة اليوم وإن لم يغب طبعا في المجالات الإدارية والهيئة العالمية للمسرح واتحاد الفنانين المسرحيين العرب ، وهو جهد مؤرخ له ويشكر عليه – لكن نحن نريد أبو أسامة المبدع الفنان ، أين هو الآن ؟ ونطالب جميعا أن يكون لك عمل في الأشهر القادمة وتخرجه للمسرح .
محمد سعيد :
لا يمكنني حقيقة أن أضف أكثر على ما تفضل به الأساتذه والأخوة الأفاضل في شهاداتهم التي دلت على مدى العلاقة الوثيقة التي تربطهم بالأستاذ الكبير فؤاد الشطي ، وهم كلهم من ذوي القامات والتجربة في مجال المسرح .
لكنني عندما أتحدث عن فؤاد الشطي أو معه فإنني أتحدث حديث الأبن للأب ، وحديث الأخ الصغير للأخ الكبير . فعلاقتي وعلاقة الفنانين بدولة الإمارات بالفنان فؤاد الشطي بدأت منذ بدايات أيام الشارقة المسرحية ، وتواصله الدائم مع هذه التظاهرة التي تعد علامة فارقة في الحركة المسرحية بشكل عام . وعندما أتحدث عن فؤاد الشطي فإنني أتكلم عن مدى علاقته بالحركة المسرحية بدولة الإمارات ومدى تأثيره في توجيه الحركة لما هو قادر على رفعها ووضعها في الطريق الصحيح .
عرفت فؤاد الشطي رجلا صادقا مع نفسه ومع زملائه والناس ومع الحركة المسرحية في الخليج والإمارات بشكل خاص . وتربطني بالأستاذ الفنان فؤاد الشطي صداقة أعتز بها حتى أنني أحيانا أنحني لها احتراما وتقديرا لما قدمه لي شخصيا – أنا محمد سعيد – في مجال المسرح وفي مجال الكتابة ، ولفرقتي المسرحية ، فرقة مسرح دبا الفجيرة ، وهي فرقة كما يعلم الأستاذ فؤاد قد حفرت في الصخر منذ البدايات حتى لما وصلت إليه الآن .
كذلك التقيت كثيرا مع الأستاذ فؤاد الشطي . عندما فكرنا في إمارة الفجيرة بتنظيم أول مهرجان دولي للمونودراما أول ما خطر ببالي أن أتصل وأتحدث مع شخص أعتقد انه سوف يصدقني ويقدم لي النصح بكل شفافية وبكل صدق بعيدا عن المجاملات وبعيدا عن الاسفاف، وقد وجدت الكثير من التوجيه والتعديل والأمور التي كان لها أثر بالغ في خروج العروض الأولى لمهرجان الفجيرة الدولي للموندراما في ديسمبر الماضي في الصورة التي نحن راضون عنها ونتمنى أن تزداد اتساعا وتألقا في الدورات القادمة . ومن خلال هذا المنبر وهذا المكان أتوجه بجزيل الشكر والتقدير والعرفان إلى الأستاذ الفاضل فؤاد الشطي الذي عرفناه أبا قاسيا ونتمنى دائما أن يدوم حرصه وعطاؤه في العمل الفني.
محمد خضر :
لدي فقط كلمات قصيرة . بعض الأخوة قالوا أن مسيرة الفنان فؤاد الشطي لم يوضحها في كلامه، وأريد أن أوضح من جهتي هذه النقطة ، فالإنسان يبقى مقتصرا في الكلام عن نفسه .
الأستاذ فؤاد الشطي انتشل المسرح العربي من موقعه المحلي حيث كان يدور في فلك المحلية في أعماله ، ورفعها إلى مكانه عربية وقاد فرقة المسرح العربي في المهرجانات بأعمال أكبر مما نعرفه حين كنا شبابا في الفرقة في تلك الأيام .
عبدالكريم الجراح :
باسم الخالق المبدع الذي خلق فؤاد المسرحي النابض بالحياة والحقيقة والخيال والمعرفة وأبدع شطه الذي نأوي إليه بعد طول سفر . فؤاد حين تقف أمامه كأنك تقف أمام لوحة تشكيلية لا يمكن إلا أن تقف وتتأملها بعمق لتناسق الخط واللون والكتلة . فؤاد الشطي عرفناه في عمان كائنا مسرحيا مقدسا نحترمه ونحترم آراءه . وعندما لا يكون موجودا هناك نتذكره ونسمع صدى صوته في الردهات هناك في المركز الثقافي الملكي وردهات فندق القدس وباقي المسارح .
وأريد باختصار سؤال الاستاذ فؤاد الشطي ، كيف يمكن للفنان المسرحي ان يسهم في فك رموز معادلة التردي العربي الراهن، وأريد أن أكرر ما قاله بعض الزملاء أن تذكر لنا ولو باختصار طريقة اشتغالك على العرض المسرحي من النص وحتى العرض الأخير .
مفرح حجاب :
الحقيقة أن الأستاذ فؤاد ليس بحاجة إلى شهادة فنحن نعرفه ونعرف أعمالة وهو غني عن التعريف .
الأستاذ فؤاد شغل مناصب كثيرة جدا ، على المستوى العربي في اتحاد الفنانين العرب واتحاد المسرحيين . وكنت أتمنى من حضرتك أن تذكر إنجازات الفنانين العرب ، نحن العرب نطالب بإصلاح كل شيء ويبدو أن هذه المؤسسات أصبحت بحاجة إلى إصلاح مع تقديري واحترامي لكل القائمين عليها . نحن مثلا لم نر أي تظاهرة أو غير ذلك . كل ما يحصل في اتحاد الفنانين مجرد اجتماعات وتوصيات وأتمنى على الأستاذ فؤاد أن يتحدث لنا من خلال مسيرته عن هذه التنظيمات والأجواء التي مر بها . هل نموت ونحن نقول إنها تمر بظروف صعبه ؟
حاتم السيد :
شكرا لكل من أسهم بمداخلة وأثرى هذا النقاش والجلسة والآن سأترك الكلام للأستاذ الفنان فؤاد الشطي للحديث .
فؤاد الشطي :
في الواقع إزاء كل هذه المشاعر الطيبة وأنا أعرف من أي نوعية من الرجال جاءت . أنا أقدر الرجل الذي يبكي ، وضد الرجل الذي لا يبكي والذي يعتقد أن الرجال لا يبكون ، بل أعتقد أن الرجل الحقيقي هو الذي يبكي وأنا ( دمعتي سريعة ) وبعد ما أحطت في هذه الجلسة بهذا الفيض الكبير من المشاعر الطيبة أكاد أبكي لكني سأحاول أن أتماسك وأرد على بعض النقاط وليس كلها، لأن الرد على الكل يحتاج إلى وقت طويل ، ربما يومين آخرين .
النقطة الأساسية في توقف فؤاد الشطي عن العمل، في الزمن الذي كنا نعمل فيه وانحصرت أعمال فرقة المسرح العربي في فؤاد الشطي كان النقد يوجه كما يلي : لماذا كل الأعمال من إخراج فؤاد الشطي. مشكلة الناس أنك إن توقفت طالبوك بالعمل وإن عملت بشكل متواصل استكثروا عليك ذلك ، ناهيك عن المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أحاطت بالحركة المسرحية الكويتية والتي جعلت من الصعوبة بمكان على شخص كفؤاد الشطي أن يعمل العمل الذي يرضي ويتوافق مع تطلعات وطموحات فؤاد الشطي ، وخاصة بعد تقديم تجارب من النوع الذي أنتم ذكرتموها .
الفنان الحقيقي لا يشيخ ، بل يشيخ متى ما أراد هو أن يشيخ . ما دام العقل يعمل والفكر متقد والقراءات مستمرة والمشاهدات مستمرة ، كل ذلك تعزز وتمكن الفنان من أدواته أكثر ثم أكثر . ولكن مع الأسف الشديد في ظل المعطيات الحالية ، الواقع الذي نعيشه الآن في الفرق المسرحية الأهلية لا تمكنني من العمل . لماذا مثلا نلجأ إلى الأعمال البسيطة الخفيفة ، المونودراما والشخصية وذات الشخصيتين أو الثلاث أو الأربع شخصيات ؟ ذلك بسبب الموازنات التي نتحرك من خلالها وفي ظل الأجور العالية للفنانين حتى من أبناء الفرقة، وعقوق هؤلاء الأبناء وتسربهم إلى القطاع الخاص وإلى مجالات العمل في الوسائط الإبداعية الأخرى التي هي أكثر انتشارا وأكثر مردودا ماديا. وهذا حق طبيعي لكل إنسان أن يسعى وراء مصالحه، التي تجعل منهم مثل فؤاد الشطي وغيره. وأنا أتساءل مثلا الأستاذ سعد ، أين هو من المسرح ؟ هل هو يستطيع أن يعمل بالطريقة التي يريدها ؟ الآن، إذا هو تعاون مع نجوم يحاولون إملاء إرادتهم على الأستاذ سعد أردش ؟ هذا مستحيل. وهؤلاء لهم اشتراطاتهم المادية واشتراطاتهم بشأن الوقت و .. و ... فالفنان عندما يتجاوز الخمسين في اعتقادي بحاجة إلى رعاية حقيقية ، إلتي تمكينه من العمل ، تمكينه من العمل بتكليفه بأعمال معينه تجعله يعمل في أجواء مريحة يستطيع أن يبدع من خلالها .
وعطفا، في هذه الجزئية المهمة التي أشار إليها الأستاذ يوسف حمدان، بأنني لجأت إلى القطاع الخاص ، أنا لم ألجأ إلى القطاع الخاص . أنا عملت عملا واحدا من باب التحدي وأعلنت ذلك من خلال الصحافة المحلية وبشرف كبير جدا في مسرحية " مراهق في الخمسين " لأنه كان يؤخذ على فؤاد الشطي أنه لا يستطيع التعامل مع الأعمال الجماهيرية .ولا يدرك قيمة ما عملت انا إلا العاملين في العرض المسرحي ، بدءا من فناننا القدير الأستاذ عبدالحسين عبدالرضا ، وانتهاء بأصغر المشتغلين، حتى التقنيين .
والعرض انطلاقا من النص المترهل الكبير والمعرب والمعد تمصيرا عن مصرية توفيق الحكيم ( سر المنتحرة ) والمكّوت بهذا الحجم – إذا لجنة الرقابة تدري بذلك – واختزاله بهذا الشكل الذي رأيتموه على خشبة المسرح ، كان عملا متوازنا . ومن شاهده في عرض الافتتاح سيرى فيه شغلا مسرحيا ، وأنا سعيد بهذه التجربة . نعم ، بعد ستة أشهر من العرض المتواصل ، حدث تعد عليه قليلا ، ولكنه تعد محدود . وكان هناك فن وتعاملت مع الفنان القدير عبدالحسين عبدالرضا كما أتعامل مع أي فرد من الجماعة ، ومدير إنتاجي عبدالعزيز السيار الموجود بينكم شاهد على ذلك .
نأتي لقضية دور العرض المسرحية التي أشار إليها الأستاذ محمود حربي. حقيقة لقد بحت الأصوات ، وعجزنا من الشكوى وناضلنا منذ الستينيات حتى الآن حتى جاءت الرغبة السامية المتمثلة برغبة سمو أمير البلاد حفظه الله وأطال عمره ، بإنشاء خمس دور عرض مسرحية وأعلن هذه البشرى لنا نحن المسرحيين في لقاء مع سموه في عام 1988 . وكنت عضوا منتدبا مع وزارة الأشغال العامة والبلدية لوضع التصورات الأولية لهذا المشروع .
وبالفعل تعرفون العمل الروتيني الحكومي ، ثم جاء الغزو العراقي ليئد هذا المشروع المتمثل ببناء خمس دور عرض مسرحية من أعلى طراز . فكان لقاؤنا الأول مع حضرة صاحب السمو بعد التحرير مباشرة بشكل رسمي وقال: يا أبنائي أنا مدرك بأنني وعدتكم بخمس دور عرض مسرحية لكنكم تعرفون الآن نحن قد خرجنا للتو من أزمة كلفتنا الكثير ، وهناك أوليات للبناء والآن سنعيد ترميم ما تم نهبه وسلبه وتخريبه من دور عرض موجودة وإن شاء الله أعدكم بإحياء هذه البادرة .
وبالفعل بعد سنوات من ذلك أعاد إحياء الموضوع وطرح على وزير الإعلام آنذاك الشيخ سعود الناصر الذي وجد يومها أن موازنة الدولة لا تسمح بالقيام بهذا الواجب ، فدعا الفنانين وكنت أحدهم لتأسيس شركة بمساهمة الفنانين مع القطاع الخاص بنسبة معينة لإنشاء دور العرض المذكورة .
اجتمع الفنانون وشكلوا لجنة تأسيسية وكنت أحد أعضائها، والأستاذ عبدالحسين عبدالرضا وسعد الفرج ، وعبد الأمير التركي ، كنا أربعتنا . وقد وضعنا المخططات ودخلنا في مفاوضات مع شركات استثمارية كما بعثنا دعوات بالتأسيس لكل الفنانين العاملين في الحقل الإعلامي والمسرحي ووجدنا أن الفنانين فقراء ، لا يملكون قيمة المساهمة ، وأنه في نهاية الأمر ستؤول ملكية هذه المسارح إلى الشركة وأنها ستؤجرنا إياها بأجور أعلى من دور العرض المسرحية الأخرى . ومن جهتي قلت لهم ، لا أقترح إعادة الموضوع إلى مكتب الوزير ونقول أن فنانينا فقراء مساكين ولا قدرة لهم على تمويل المشروع . لكن مطالبتناما تزال قائمة حتى يومنا هذا. والحقيقة أننا عجزنا لكثرة المطالبات , وبالفعل أقولها وفي منتهى الصراحة: دور العرض لدينا لا تليق بالحياة المسرحية في الكويت ، ليس الحالة المسرحية . هناك فارق بين الحياة المسرحية والحالة المسرحية . نحن لدينا حركة مسرحية عربية من أنشط الحركات ولكن الحالة المسرحية حالة مرضية لا ترضي طموحاتنا أو جزءا من طموحاتنا .
نحن عدنا إلى الوراء كثيرا. وأنا أجيب على تساؤلات طرحت هنا ، وتجاوزتنا الكثير من الدول الخليجية الأخرى الشقيقة. وأعلنها ، وقاتل الله من يزايد على الوطن ، ونحن لا نزايد عليه ولكن نقر أمرا واقعا، في السنوات العشر الأخيرة كم كاتب مسرحي ناجح ظهر لدينا في الكويت بالقياس مثلا إلى دولة الإمارات ؟ لا يذكروا . كم مخرج مسرحي ظهر لدينا في الكويت بالقياس بما ظهر في الإمارات ؟ كم مؤلف مبدع ظهر بالقياس إلى الإمارات ؟ وأنا آخذ دولة الإمارات ، عفوا على ذلك ، لأن هناك أيضا دولا أخرى تجاوزتنا . وليس عيبا أن نشخص حالة التردي التي نعيش فيها .
هذا المهرجان وعروضه مثلا قد لا ترقى إلى مستوى طموحاتنا كلها . لكن هذا انعكاس لواقع حال ، محاولة تنشيط ، إعادة بعث الروح في هذا الجسد الميت المتهالك. في السابق كان عضو الفرقة يأتي ويعمل ـ وأنا أستحضر لحظة وأرجوكم أن تتخيلوها ـ في شهر أغسطس ، شهر الحر اللاهب بالكويت. كنعان حمد رحمه الله كان يجلس في كشك بساحة الصفاة بالكويت، ويومها كانت الصفاة ساحة ، وأرسل له الماء البارد بالمطارة وهو يبيع تذاكر لمسرحية الكويت سنة 2000 ، وفي نهاية الأمر يتسلم 15 دينار يحسمون فيها 6 دنانير رسم عضوية . كنا نعمل ولا نسأل . يأتي إلينا كومبارس ليلة واحدة ، ويأخذ عشرين دينارا . أجور الممثلين وصلت درجة تضاهي أجور نجوم " برودواي "! هذا باختصار واقع الحال . في هذه الأجواء كيف لك أن تعمل . لابد أن تعمل من خلال دعم حكومي، خاصة لمجموعات الشباب. وفي بدايات العمر يكون العمل التطوعي سهلا لكن في الكبر أنت في حاجة إلى من يرعاك ويأخذ بيد، ويساندك لكي تتقدم. هذه الحالة للأسف الشديد غير موجودة . حاولنا إعادة الفرقة الوطنية ، وضعنا مخططا وقمنا بالتجربة الأولى وعلى رغم عدم قناعتنا بها كليا لكن للأسف الشديد الموازنات تحول دوم المتابعة . الموازنة ، وأنا الآن أمام الأمين العام ( للمجلس الوطني) والأمين العام المساعد، أقول أن لدينا الآن إشكالية المادة يا إخوان ، قضية المادة . ومن هنا أقول انه إذا لم نستطع فلنساعد الشباب والآخرين فيما نحاول أن نعمل .
نأتي إلى قضية المشاكسة ، باختصار الفنان الذي لا أخلاق عنده ليس فنانا. ونحن للأسف الشديد نعيش ، كما هو الزمن العربي الرديء ، زمنا رديئا . هناك مقولة بأن العملة الجيدة تطرد العملة الرديئة، ونحن الآن نعيش واقعا مختلفا . فالعكس صحيح: العملة الرديئة تحاول أن تلغي العملة الجيدة . وحسبي ذلك الذي قلته لكن صوتي لن يخفت ولكنني أعرف متى أتكلم ، نعم صوتي لن يخفت. صوتي صريح ، وأنا دائما أعرّف بنفسي بأنني صريح إلى حد الوقاحة، لكن في الوقت المناسب وفي المكان المناسب لأن هناك أخلاقيات معينة أنطلق منها .
بدر سيد عبدالوهاب الرفاعي :
أولا أنا فخور جدا ، فخور جدا بوجود الأستاذ فؤاد الشطي بيننا . لم أكن أعرف أنه يملك هذا الحب الغامر من المشرق حتى المغرب . وهذه في الحقيقة إحدى ميزات الكويت التي فيها مثل هذه الطاقات التي نشأت ونبتت في أحياء الكويت القديمة ، منطقة شرق التي تكلم عنها الأستاذ فؤاد الشطي ، فعلا هذه هي النشأة والحكومة لم ترعهم ، لم تكن هناك رعاية مقصودة بل هم الذين بنوا أنفسهم بأنفسهم . هؤلاء هم الرواد في كل مجتمع . أنا فخور بهذه الجلسة التي أعطتنا ولو جزءا بسيطا مما يحظى به فؤاد الشطي من حب .
والآن لدي كلمتان فقط قبل أن أدخل في موضوع متشعب . السيرة الذاتية تتكون من ثلاثة أشياء . إما سيرة ذاتية autobiography ويكتبها الإنسان نفسه ، أو سيرة يكتبها شخص ما دون تكليف من أحد وتسمى unauthorized biography سيرة دون تكليف من أحد ، أو سيرة لشخص موثوق ، إما أكاديمي أو متمكن وأمامي شهادة testimony right .
والحاصل أن أمامي سيرة ذاتية . وليت الأستاذ فؤاد قد دخل في سيرته الذاتية العملية ، لكن الوقت لم يسعف ، ومع ذلك استمتعنا كثيرا . وقد نأخذ في جلسة ثانية أشياء لم تقلها الآن .
فيما يتعلق بقضايا البنى التحتية المسرحية ، دور العرض المسرحية . صحيح أن أفضل دار عرض لدينا هي هذه ( مسرح الدسمة ) وهي ليست أيضا في المستوى الذي نطمح إليه . يمكن أنتم حاولتم شرح الوضع ، وانتهيتم إلى ان الفنانين غير قادرين على توفير المادة ، وبالتالي أوقف المشروع الطموح الذي ذكرته .
والآن على الأقل بالنسبة لي أنا في المجلس الوطني كان همي ، وأول تصريح قلته، أن نعيد – على الأقل كمرحلة أولى – تأهيل بعض المسارح . وقد حاولت مع وزارة التربية التي لديها أكثر المسارح ، مثلما يعرف الأستاذ فؤاد ، وفي النهاية أعطونا مسرحا واحدا لا يقبل عليه أحد ، وهو في منطقة المستشفيات .
من حوالي ثلاثة أسابيع اجتمعت بمعية معالي وزير الإعلام ورئيس المجلس الوطني مع التربية وأكدنا له أهمية إعادة تأهيل أربعة إلى خمسة مسارح . وبعث الوزير إلى وزير التربية حول هذا المعنى نفسه . وقبل يومين فقط قال لي الوزير في هذه القاعة انشاء الله هناك أخبار طيبة ، وسيكون لدينا يا فؤاد ثلاثة أو أربعة مسارح، فأبشر. وسنقوم بتأهيل هذه المسارح . طبعا هذا حل مؤقت ، إنما الحل الصحيح ، وهي البشرى التي نزفها لك وللأخوان أن لدينا أرضا في منطقة المعارض مساحتها تسعة آلاف متر مربع سنحاول أن نبني عليها مجمعا ثقافيا ، ولدينا التصور المبدئي لذلك والمخططات ، وقد وافق مجلس الوزراء وخصص ( 7300000 دينار ) والسيد الأمين المساعد للشئون المالية والإدارية لديه معرفة جيدة بذلك ) . هذا المبلغ خصص بقرار من مجلس الوزراء وأعلن عنه في الصحف . وقد اجتمعنا اجتماعا ثلاثيا ، وتم إدخال المبلغ في الميزانية وانتهى مهما تغيرت الظروف المالية ، فالمبلغ موجود وضم الاجتماع ثلاثة وزراء، وزير التخطيط ووزير المالية ووزير الإعلام بحضور أشخاص من المجلس الوطني ومن وزارة التخطيط واتفقنا على كل شيء . والآن نحن في سبيلنا إلى الوضع الاستشاري ووضع المخططات ، حتى أننا غيرنا في المخطط لأنه كان هناك مسرح واحد فقط ، لكن سنقيم ثلاثة مسارح ، أحدها مسرح الدولة ويتسع لأكثر من ألف شخص ومسرحين ما بين 600 إلى 900 شخص عدا صالات الفنون التشكيلية والموسيقى والقاعات متعددة الأغراض .
هذا ما أردت أن أقوله ، صبركم أفضى إلى نتيجة كما ترون . وبالإضافة إلى الأرض التي تكلمت لكم عنها ، لدينا أيضا أرض في السالمية لكننا بحاجة إلى نصف مليون دينار من متبرع للعمل في المشروع .
أ . فؤاد الشطي :
في النهاية أود أن أشكر الأمين العام على هذه البشرى التي في النهاية زفها لنا ، متمنين أن تتحقق على أرض الواقع ، وهي ستتحقق ما دام مجلس الوزراء قد وافق عليها.
هناك أسئلة كثير حول المنهجية الإخراجية لفؤاد الشطي . إن فؤاد الشطي ينطلق في عمله الإخراجي من حماسته وإيمانه بالنص، ومن مقولة النص واحترامه لكاتبه . وهو يعمل على أن يأتي الإخراج محققا لتوافق الشكل والمضمون. أنا لا أجور على المؤلف متى ما تحمست له ، أتداخل معه إن كان حيا ، وأحافظ على مقولته الأساسية .
الاشتغال على الممثل أساس من أساسيات الإخراج . الممثل عندي مادة طبيعية للاشتغال عليها . إن مخرجا لا يستطيع أن يتعامل مع ممثل ليس مخرجا جيدا . وكذلك بقايا متممات العرض المسرحي . من لا يستطيع أن يعمل مع مهندس الديكور ومصمم الإضاءة وغير ذلك لا يخرج أعمالا جيدة .
شكرا .