الممثل سيد المسرح ومفسده
 

  

 

 

مؤتمر بيروت الثاني للمسرح

9 – 12 نوفمبر 2005

الممثل : سيد المسرح ومفسده ؟

مداخلة

عن المحور الأول

" الممثل في تجارب المسرح العربي الحديث "

 

ألقاها في مؤتمر بيروت للمسرح العربي في دورته الثانية

الفترة من 9 – 12/11/2005 م

 

هذه الورقة الموجزة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعلمنة وتقنين فن الممثل الذي تعرفت عليه عن طريق التحصيل العلمي أو الممارسة العملية ، كما أنني لم أتكئ في كتابتها على أي من المراجع التي تعمد إلى تقنين فن التمثيل ، منذ المدرسة الأولى العلمية لتقنين فن التمثيل عند " مولانا "  طيب الذكر ستانسلافسكي وانتهاء بالمحدثين الذين يعملون على علمنة فن التمثيل في استوديو الممثل بقيادة " مولانا " الجديد جيمس ليبتون .

ان ما سنتحدث هنا عنه في هذه الوريقات لا يشمل كل الممثلين العرب مثلما قد يوحي رأس الموضوع بذلك ، إنما يخص غالبيتهـم فقط .

الممثل الفاعل الأساس في العمل المسرحي : ينفعل ومن المفترض به أن يثير الانفعال ، يعي ويعمل على إشغال وعي المتلقي ، يتحرك ويحرك .

مادته الأساس صيرورته ككائن بشري ، جسد وعقل ، صوت وصورة ، عصب وأحاسيس ، وعي ولا وعي ، تلقائية وصنعة ، هواية واحتراف ، فطرة ودربة ، واقع ومتخيل ، اتزان وجنوح ، وعاء يفترض أنه ينضح بالمعرفة . هذا هو الممثل الذي يجب أن يكون ليتوج ملكاً على عرش المسرح ، الذي يعمل كافة فريق العرض المسرحي من مؤلف ومخرج وتقنيين بمختلف تخصصاتهم في خدمته أياماً وليال طوال ، حتى إذا ما ارتفع الستار عن العرض الأول تركزت كل الأضواء الكاشفة عليه وحده وتسيد خشـبة المسرح ، وانطفأت أنوار الآخرين ، ليصبح هو السيد صاحب السلطة المطلقة ، كيف لا وهو الوسيط المؤتمن لإيصال مجهودات كل المبدعين الآخرين الذين سبق ذكرهم أعلاه إلى جمهور النظارة ؟

    وللوصول إلى إيجاد ممثل يتمتع بالمواصفات التي ذكرناها يحتاج الأمر إلى كثير من التأهيل ، إن كانت من خلال الدراسة الأكاديمية أو من خلال المختبرات المسرحية التي تتعامل مع من يريد أن يلج إلى عالم التمثيل وفق المنهجيات العلمية لفن صناعة الممثل ، والارتقاء بمادته الأساس ، الموهبة الفطرية .

    إن المدخل الأساسي للوصول إلى هذه الغاية تكمن في إدراك المعلم المسرحي لإمكانيات الممثلين الذين يتعامل معهم ، قدراتهم الجسدية ، قدراتهم العقلية ، فمشروع الممثل هذا يجب أن يعرف إن جسده فضاء قائم بذاته في محيط من الفضاءات ، وعليه أن يتعرف على أمداء جسده وما يحيط به ، ومفاصل هذا الجسد وأطرافه من خلال تدريبات مضنية للوصول به إلى أفضل درجات المرونة والليونة حتى تشكل كل حركة وإشارة وإيماءة معنى يراد إيصاله متى احتاجت الحالة المسرحية لذلك ، ولا يتسنى ذلك من غير المحافظة على اللياقة البدنية بشكل دائم ، أما الصوت الصادر عن هذا الجسد فالاشتغال عليه لا يقل مشقة عن مشقة الاشتغال على الجسد: من تقويم اللسان وضبط مخارج الحروف والتحكم بنبرة الصوت بالتوافق مع حركة جسده وإيماءاته، عبر آلية تنفس علمية تجعل الممثل قادراً على إيصال حواراته بمعانيها من دون تكلف .

    أما تنمية قدرات الممثل العقلية فتنطلق أساساً من الوظيفة الربانية التي حبانا بها الله ، فالعقل هو الجهاز الذي يحرك الجسد والوجدان معاً . ويجب إشغال العقل بطريقة منظمة مناسبة لإعطاء أوامر العمل لكل مكونات الممثل الذي نتحدث عنه ، والعقل لكي يصار إلى استثماره وتنميته يحتاج إلى تدريبات لا تقل مشقة عن تدريبات الجسد أيضاً . فتنمية ملكة التخيل والذاكرة لدى الممثل كأمور لا غنى عنها تأتي عبر تمارين مختلفة متواصلة ، ولا يقل عن ذلك أهمية رفد العقل وتغذيته لجعله متقداً على الدوام عن طريق الاستزادة من المعارف عبر التثقيف والإطلاع والقراءات على اختلاف أشكالها .

    ولا أعتقد من خلال ما سبق وعرضته باختصار أنني أتيت بشيء مبتكر وجديد حول ما يجب أن يكون عليه الممثل الحق ، فلعل معظم مبدعينا الممثلين العرب يتعلمون هذه الأسس من خلال معاهدنا ومختبراتنا المسرحية العربية ، مع تفاوت نسبي في الحصيلة التي يخرج بها هذا أو ذاك من الطلاب تبعا لتفاوت قدرات معلميهم ومرشديهم المسرحيين .

    ولعلي في تجاربي المسرحية غالباً ما أنتهج روحية الورشة المسرحية ، فتعاملي مع الممثل الذي هو الأساس، وقمة سعادتي في كل العملية الإبداعية أنني أتعامل مع عقله وجسده تعامل الطفل مع لعبتهالتي يحب كما في الفك والتركيب ، فألهو معهم ومن خلالهم لهواً لا أشغل العقل فيه بمراحله الأولى ، ومن ثم أنطلق تدريجياً لإشغال العقل في مراحل متقدمة من التدريبات ، لأنني من المؤمنين بأن العفوية السابقة على منطقة الأشياء وتقنينها تكون أكثر إمتاعاً وأقرب إلى النفس البشرية من القصدية وحرفية التصنيع ، وإن كان في ذلك لا ينطلق من فراغ بل هو مسبوق بوعي تشكل منذ اللحظة الأولى لتبني العمل نصاً مكتوباً أو فكرة يصار إلى تخليقها لكي تُمسرح .

    وعلى الرغم من عنايتي اللامحدودة بكافة مكونات العرض المسرحي ( من ديكور وإضاءة وأزياء ومكياج ومؤثرات صوتية وموسيقى ) إلا أنني مؤتمن بالدرجة الأساس بالممثل ، في محاورته ومشاكسته واستنطاقه للوصول به إلى أعلى مستويات الأداء التي يستطيع أن يعطيني إياها ، واضعاً في الاعتبار تجسير مستويات الأداء لفريق العرض ككل وردم الهوة التي قد تكون موجودة نتيجة تفاوت قدرات الممثلين الذين أتعامل معهم ، وصولا إلى خلق حالة من التوافق والانسجام بين فريق العرض . فأنا من المخرجين الذين يؤمنون بالتوازن ما بين الشكل والمضمون . والتدريبات على العروض المسرحية في أغلبها تستغرق وقتا طويلا ، لأن الهدف الرئيس منها ليس مجرد العرض دائما وإنما تبادل منافع المعرفة المشتركة بين فريق العمل المسرحي، ومتعتي تكمن في زمن التدريبات. ومتى رفعت الستارة وبدأ العرض يتوقف عندي هذا الشعور بالسعادة، وأقف موقف الحياد من العرض المسرحي الذي يقدم. فالمتعة اللاحقة على التدريبات  الآن من حق المشتغلين في العرض ، وفي مقدمتهم الممثل : سيد المسرح... وسيد المسرح هذا الذي يجب أن يتوافق ووصف الحالة التي ذكرناها ، من الممكن أن يكون عاملاً في الارتقاء بالعرض المسرحي أو يكون بعكس ذلك سبباً في إخفاقاته . والمشكلة التي أواجهها شخصياً، كما اتضح لي من واقع التجربة ، ويواجهها المسرح الكويتي النوعي بعمومه، أننا أعددنا مجموعة كبيرة من ناشئة المسرح ومحبيه على ما يجب أن يكون عليه الممثل المسرحي، ولكن مع الأسف الشديد – وأنا هنا أشخص الحالة الكويتية تحديداً ، والحالة العربية عموماً – أن الممثل من هؤلاء ما أن يمتلك ناصية حرفته ويصيب شيئاً من النجـاح والتوفيق ، ويدخل في دائرة النجومية بعد أن يصار إلى استغلال قدراته وإمكانياته في الأعمال الفنية التلفزيونية وفي قطاع المسرح الاستهلاكي ( التجاري )، حيث الإغراءات المادية والمعنوية المتمثلة في الأجور الخيالية التي تدفع لهم ( واللهم لا حسد! ) وما يصحب ذلك من انتشار جماهيري، عبر آلة دعائية كبيرة تروج لهم ولأعمالهم في هذين القطاعين في ظل محدودية الإمكانيات المادية والإعلامية المتوفرة لدينا في الفرق الأهلية النوعية ، حتى يبدأ تسرب هؤلاء من فرقهم المسرحية التي تأسسوا في كنفها تأسيسـاً مسرحياً سليماً،  إلى قطاع يستسهل العمل المسرحي ، حيث يصار إلى تنميط هؤلاء الممثلين وقولبتهم في أطر محدودة ، من خلال أعمال يتم سلقها سلقاً لتقديمها في مواسم الذروة في الأعياد والمناسبات .

    ومعظم هذه الأعمال تتكيء على ما يصطلح عليه مجازاً نصاً مسرحياً ، هو في مجمله عبارة عن وريقات لا تتجاوز عشر صفحات أو عشرين على الأكثر ، تصل في مدى العرض المسرحي إلى أربع ساعات، حيث يكون الارتجال على مستوى الفعل هي السمة الغالبة على هذه العروض . وتصبح الشخصية النمطية لهذا الممثل أو ذاك السمة الواضحة على أداءاته.

    ونتيجة للشهرة ، وفي غياب النقد الرصين وتضخم ذوات هؤلاء الممثلين ، تجدهم يدورون في إطار نمط الشخصية الواحدة الجامدة ، فينتفي بذلك دور كل المبدعين الآخرين في العمل المسرحي من مؤلف ومخرج وتقنيين ، ويصار إلى تكريس سلطة الممثل الذي يكرس كل العمل من أجل أرضاء ذاته وأنانيته، ما ينعكس عليه وعلى إمكانياته التي اكتسبها في مرحلة التأسيس الصحيحة على جميع المستويات ، حيث يعطل كافة أدواته العقلية منها والجسدية ، فيترهل الجسد ويتصلب ويتدور ويتقولب كما هو حال أنماط أدواره المسرحية المتشابهة والمكررة ، ويعزف عن القراءة والإطلاع على أي جديد يتعلق بفنه.  فهو الآن لا وقت لديه للقراءة والإطلاع، فلهاثه الدائم وراء العمل الفني في مجالاته المختلفة لا تعطيه مجالاً لهذا ، والسعي إلى الثراء المادي السريع والشهرة الزائفة السريعة هو كل همه الأساس. وللأسف، هذا باختصار واقع معظم ممثلينا المسرحيين ، والآفة التي ابتلى بها المسرح النوعي وسر انكفائه ، وازدهار المسرح الاستهلاكي .

    مما تم ذكره من توصيف يتبين لنا أن الممثل السلطة بنجوميته قد يكون آفة المسرح التي نعاني منها في عالمنا العربي. ومن خلال ذلك يبدو لي ان التأهيل مهم لكن الأهم أن يكون هناك من يأخذ بهذا التأهيل، مختتما بذلك ملاحظاتي الأولية، تاركا المجال للمناقشة الحرة التي ستدور في هذا المؤتمر لتعميق بعض الأفكار التي جاءت في هذه الورقة .

 

فـــؤاد  الشـــطي

الكويت - نوفمبر 2005

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com