مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي
الدورة الحادية عشرة (1 - 11 سبتمبر 1999م )
-----------------------
المسرح العربي في مائة عام ومغامرات التجريب
" التجريب في المسرح العربي : تبعية أم تثاقف ؟ "
مدخل :
في البدء أرى من الأهمية بمكان التأكيد على مشروعية المبدع في كافة المجالات بشكل عام ، والمبدع المسرحي بشكل خاص ، في ضرورة البحث عن أدوات تعبير مبتكرة ، وفي العمل البحثي الممنهج للوصول إلى هذه الغاية التجديدية .
فالتجديد والتجدد سمة من سمات الإنسان الحي . والمبدعون الحقيقيون هم في طليعة الأحياء من بني البشر . فالانطلاق من موقف اجتماعي ومن فهم مبدئي ومن التزام أخلاقي تجاه السواد الأعظم والضعفاء من الناس يعتبر أبرز مقومات الفنان ودوافعه للمزيد من الإبداع والاستمرار في العطاء الخلاق . وعليه أقرر بأن ملاحظاتي اللاحقة في ما يتصل بجوانب التجريب المسرحي في عالمنا العربي ، على حدتها ، ليست مصادرة لحق المبدعين المسرحيين العرب في التجريب . فأنا مع الحرية ، وكل الحرية للمبدع في إيجاد أدواته وإن كانت ضرورات محور البحث " التجريب في المسرح العربي " تبعية أم تثاقف " قد تجعل من وجهة نظري موقفاً يبدو وكأنه ينطوي على مصادرة لحرية الآخر ، أو كشكل من أشكال مصادرة حرية هذا الآخر في التجريب أو " التخريب " - لافرق - أو كما يتراءى للبعض الآخر بأنني قادم من الزمن السالف أو متحيزاً للقوالب التقليدية في المسرح ، رغم أنني شُرفت بشرف المشاركة في تأسيس هذا المهرجان النوعي المتميز في عالمنا العربي ، وسبق ذلك محاولاتي الدؤوبة في مجال التجريب في المسرح من خلال فهمي المتواضع للتجريب .
ماهية التجريب
______________________
بعيداً عن التعريفات الاستهلاكية للتجريب في المسرح ، التعريفات التي شاعت - ولاتزال - بين الكثيرين من النقاد والمسرحيين من أنه كسر للمألوف والسائد في المسرح ، فإنه ليس هناك ثمة توصيف دقيق ومحدد لهذه الظاهرة في العمل المسرحي . فالتجريب سمة ملازمة للعمل المسرحي منذ القدم . فالمسرح كان حاجة إنسانية منذ أن استمد أسخيلوس وسوفوكل وغيرهم مادتهم المسرحية من الألياذة والأوذيسة ، والتطورات التي لحقت بالشكل المسرحي الذي نسج عليه الآخرون بعدهم منذ ظهور الممثل والمخرج الأولين حتى المراحل الوسيطة في تاريخ المسرح ، من كسر تدريجي للوحدات الثلاث ( المكان والزمان ووحدة الموضوع ) التي اعتبرت مقدسة ، وحتى ظهور المدارس المقننة لفن المسرح والممثل واستخدامات التقنية المسرحية من جانب ستانسلافسكي ومايرخولد مروراً بأنطوان آرتو وغيرهم ، وصولاً إلى باسكاتور وبريخت وداريوفو في إيطاليا وبيتربروك في بريطانيا إنتهاء بمسرح غروتوفسكي في بولندة ويوجينو باربا ، وظهور مسرح العبث واللامعقول وماصاحب ذلك كله من تطويع الأمكنة والأزمنة والاشتغال على فن الممثل ، وماسبق ذلك بمراحل : ظهور فن " الكوميديا دي لارتي " ومن خلال ظروف قسرية أفرزت هذا الفن الجميل الذي دل دلالة قاطعة على أن الحاجة للتعبير مسرحياً تستطيع رغم كل الظروف الصعبة المحيطة به أن تولد فناً جميلاً وجديداً . ولعل " الكوميديا دي لارتي " التي ننظر إليها نظرة استخفاف في بعض الأحيان ، وبكثير من الدونية ، قد شكلت البدايات الحقيقية للتجريب في فن التمثيل والممثل على يد من كانوا يعتبرون يومذاك من سقط البشر من مهرجين ولاعبي سيرك وحواة . فالإيماءة والميم والبانتوميم وإشغال الجسد كانت العناصر الرئيسية لهذا الفن الجميل ولفنانيه الذين لم ينصفهم مؤرخو المســـــرح
وراصدوه ، وإن كان الكثير من المشتغلين بفن المسرح في أوروبا ، وتحديداً في إيطاليا وفرنسا قد استفادوا من هذا الفن وقننوه وطوروه في أعمالهم المسرحية .
والتجريب في المسرح باعتقادي نتيجة حاجة ملحة للتغلب على الكثير من الصعوبات التي حاقت بالمسرح والمسرحيين في كل فترة من فترات تاريخه . فالمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وسمو الحس الإنساني والفكري للمبدعين المسرحيين ومحاولاتهم الدؤوبة لإيجاد الذات أولاً عن طريق اتخاذ موقف في الحياة ومن الحياة ، وعجز المفردة المسرحية التقليدية في عمومها عن التعبير عن أفكارهم ، جعلتهم يلجأون لإبتكار أساليبهم ووسائلهم الخاصة في التعبير من خلال منهجية فكرية وفنية ، وتكريس قناعاتهم الراسخة بأن الممثل هو جوهر المسرح وأساسه وأن بقية مفردات ومكونات العرض المسرحي يتم تطويعها لمجموع الممثلين لأنهم وسيلة التوصيل الرئيسية في المسرح .
وفي ظني أن الحكم على التجريب في إطار المسرح هو جزء من محاولة الباحثين والمسرحيين لتأصيل هذا الفن الجميل وجعله على استعداد دائم الحركة للإستجابة للطموحات الإنسانية وإثارة الأسئلة في داخل الإنسان ، الأسئلة التي من المفترض أن تتجه بالدرجة الأولى نحو ترميم العلاقة الوجودية بين الإنسان وبيئته وشؤون حياته . وفي إطار هذه المحاولة للتأصيل يكتسب الباحثون والمبدعون مشروعية - ليست مطلقة طبعاً - للدخول في عوالم التجريب مع المحافظة على النسيج العام للمسرح في حالة سليمة . وهذه المشروعية تتركز أساساً في إحساس المبدع والباحث والمجرب عموماً في ضرورة البحث عن أدوات تعبير مبتكرة أو رؤية جديدة . ويبقى الشئ المهم هنا ، كما قال بيتر بروك ، هو أن لايقف المرء في انتظار مايمكن أن يحدث ، بل أن يندفع للعمل ، لأن العمل مهما قل فإنه يجتذب العمل . وانطلاقاً من ذلك كله أقرر أن التجريب كما ذكرته آنفاً وحسب منطوقه اللغوي أيضاً يعني الاختبار والامتحان . وينبغي
أن لايفوتنا هنا ، وبهذا المعنى أن التجريب حالة تقوم بالضرورة على احتمال الضدين - النجاح والفشل - مادام الأمر يرتبط أساساً خلال تطوره واشتغاله الداخلي والأدوات المطبقة فيه بجملة من الظروف المتعلقة بالمسرح مثلما هي متعلقة بالفكر الإنساني وبالمجتمع ودرجة تطوره وظروفه المحيطة ، وبالتالي يصبح ماهو تجريبي محكوماً بهذه العوامل والشروط ، ويندرج في إطار العمل الممنهج .
التجريب في المسرح العربي : تبعية أم تثاقف
_____________________________________
واليوم ، بعد أن تعرف العالم العربي على مدى قرن ونصف القرن أو مايزيد عليها بقليل على فن المسرح كمعطى حضاري عرفته الأمم والحضارات القديمة منذ قبل الميلاد بقرون وإنشغالنا والسابقين علينا من المشتغلين بفن المسرح في الوطن العربي في محاولات دؤوبة للبحث عن أصول هذا الفن العريق في موروثاتنا وأدبياتنا من الحضارات السومرية والفرعونية وغيرها ، ووصولنا إلى الحقيقة شبه المؤكدة من أنه وإن كان عالمنا العربي قد تعرف بشكل أو بآخر على أدوات تعبيرية وطقوس مسرحية ، إلا أنها لم ترق إلى فن المسرح الذي تعارفنا عليه جميعاً واتفق العالم حوله ، وما تبع ذلك من محاولاتنا والسابقين علينا من المسرحيين العرب ، في العمل على تقريب المسرح من ذهنية المتفرج العربي عن طريق النهل من موروثاتنا الشعبية بكافة أشكالها ، حتى أصبحت مرحلة الخمسينات والستينات والسبعينات هي الهاجس المسيطر على فكر ووجدان معظم المسرحيين العرب من الخليج إلى المحيط ، حيث أصبحت الجبة والعمامة والسروال والأهزوجة الشعبية واللغة العربية الفصحى الممزوجة بالتعابير والمفردات والجمل الشعبية المحلية هي السمة الغالبة على معظم عروضنا المسرحية من الخليج إلى المحيط ، تجذيراً وتأصيلاً - في اعتقادنا - للمسرح العربي في وجدان جماهيرنا ، وإضفاء لهويتنا العربية على هذا الفن الإنساني النبيل .
والسؤال الذي قد يتبادر إلى أذهاننا جميعاً : لماذا كنا على هذه الدرجة من التحسس من قبول أمر واقع بشكل حضاري متميز يتمثل في أن هذا الفن الخالد - فن المسرح - ليس فنا عربياً أصيلاً وأن هناك هوة زمنية سحيقة بيننا وبين الشعوب التي تعرفت عليه . هل كان مردُ ذلك أجواء الصحوة العربية الكبرى التي كنا نحياها في فترة الخمسينات والستينات من هذا القرن وما رافــــق ذلك من حركات تحرر كبرى ومواجهات قومية ضد المستعمر الأجنبي ، بحيث عز على أنفسنا قبول هذا الفن بشكله الراهن كنوع من أنواع التبعية للآخر ، والآخر هنا في الغالب هو المستعمر وأذياله ؟ ، ذلك محتمل ، ولكنني لا أمتلك دليلاً قوياً يؤكد هذه الفرضية . إلا أنني أبسط الأمر لنفسي مؤكداً على أنها جزء من مشروعيتنا في البحث عن ذواتنا وأدواتنا التعبيرية الخاصة بنا في مجال المسرح . ولعلني أستحضر هنا حقيقة أننا نحن العرب لسنا متحسسين تجاه فن السينما الغربي المنشأ ، لأننا تعرفنا عليه ومارسناه كأداة من أدوات التعبير في زمن قريب من ظهور هذا الفن الجميل والأصيل وإدخاله إلى عالمنا الثقافي العربي .
ومن هنا ، ومن خلال قراءة تطور فن المسرح العربي ، يمكن أن نقول وبثقة إن حالة التثاقف الأولى مع المسرح العالمي كمعطى حضاري قد جاءت على يد رائد فن المسرح في الوطن العربي مارون النقاش الذي بدأ بمحاكاة المسرح الأوروبي بشكله وبمضامينه المعروفة ، ثم حاول التمرد على حالة التبعية على ذلك المسرح بالتثاقف والتحاور معه بما ينسجم ومعطيات واقعه واحتياجاته . فكان أن لجأ إلى موروثنا العربي لاستلهام مادة مسرحيته " أبو الحسن المغفل " من إحدى حكايات " النائم اليقظان " في الف ليلة وليلة وقربها إلى ذهنية المتفرج العربي عن طريق إدخال الموسيقى والرقص المحببين إلى قلوب الجمهور العربي ( الموشحات ورقصة السماح ) .
وهذه الحالة شكلت بدايات التثاقف مع المسرح العالمي وكانت المحاولة الأولى للإنعتاق من أسر التبعية له ومحاورته محاورة خلاقة . فالتجديد والتطوير حالة من حالات التجريب ، وحالة التثاقف الأولى هذه جاءت من طرف واحد ، بعد أن تعرف النقاش على فن المسرح من مصادره الأوربية وغيرها . وبذلك فالتثاقف هنا أقرب إلى مفهوم التطويع للعناصر المسرحية وحالة تشترط دون شك توفر إمكانيات أولها قدرة المتأثر على هضم طبيعــة المؤثــرات ومــن ثــــــم
الإضافة عليها من خلال الاشتغال عليها ومقارعتها وتسخيرها - كلها أو بعضها - لصالح تجربته ، بحيث تشكل الإضافة إبداعاً له قيمة إنسانية .
وعليه يكون مارون النقاش هو المجرب المسرحي العربي الأول ، إلا أنه مع الأسف الشديد أن هذه الحالة من التثاقف لم تستمر طويلا . وماتبع ذلك -
إلا في حالات نادرة - كانت محاكاة عمياء للأطر المسرحية التقليدية . وكانت معظم محاولات التجريب الحديثة في المسرح العربي استنساخاً ممجوجاً لما على
الساحة المسرحية الأوربية من أعمال مسرحية . ثم أن محاولات غالبية المبدعين العرب في الاستفادة من الأطر المسرحية الجديدة كانت تدور في إطار الشكلانية ، اعتماداً على بعض المشاهدات أو استناداً إلى تراجم لنظريات أصحاب المدارس المسرحية التي قُنن لفنهم ومنهجهم المسرحي في العالم الغربي . وعلى سبيل المثال ، عندما تعرفنا على المنهج البريختي ( أو البريشتي - لافرق ) أصبحت معظم مسارحنا العربية في أواخر الخمسينات وحتى أوائل الثمانينات مطبوعة بهذا المنهج إلى أن استهلكناه .
وكان معظم المشتغلين بالمسرح من فنانين ونقاد يلوكون عنوان المسرح الملحمي أو البريشتي في موقعه أو في غير موقعه . وكأن الجميع قد أصبحوا بريختيين ، وأي تخاطب مع الصالة أو دخول ممثل منها إلى الخشبة أو خروجه من الصالة يحول العرض المسرحي إلى مسرح بريختي . وكذا الحال مع المسرح الفقير لغروتوفسكي وغير ذلك من إتجاهات . وحتى عندما ظهر مبدعنا المسرح الكبير الطيب الصديقي بأعماله الرائعة المستلهمة من التراث موضوعاً وبشكل مسرحي خلاب وفق منهجية عمل عليها طويلاً وقننها دار معظم المسرحيين العرب في فلكه ، وأصبحت الشكلانية في إطار هذا المنهج شكلاً من أشكال الاستنساخ الممجوج . كما أن بعض المسرحيين العرب انكبوا على التنظير لمسرح جديد وحددوا ملامحه في عملية سابقة على التطبيق ، فجاءت معظم أعمالهم بعيدة كل البعد عن روح بياناتهم التنظيرية التي طبلوا وزمـروا لهــــــــا
كثيراً . وفي يقيني أنه في الإبداعات الإنسانية - والمسرح جزء رئيسي منها - يأتي التنظير لاحقاً بالإبداع وليس سابقاً له إلا فيما ندر .
وهكذا ، ونحن نعيش اليوم أجواء الدورة الحادية عشرة من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي نجد أن معظم مبدعينا المسرحيين الذين اطلعوا من خلال هذا المهرجان على أنماط التجريب المسرحي القادمة من عواصم أوروبا والأمريكتين أوقعوا أنفسهم في ذات الدائرة من الشكلانية والاستنساخ ، وإلا كيف أبرر لنفسي مشروعية عرض مسرحي قادم من عمق الجزيرة العربية ومن إحدى الدول الخليجية يحتوي على مشهد يصور جماعاً جنسياً بين رجل وامرأة لولا أن المحاكاة العمياء كانت الباعث وراء هذا المشهد وليس التعبير عن حاجة اجتماعية أو فنية يحتمها العرض المسرحي الذي يمثل المجتمع الذي جاء منه .
وثمة مثال آخر لمخرج شاب شكل ومضة في عالم المخرجين العرب وقد توفاة الله مبكراً ، يشخص مشهداً مسرحيا ومجموعة الممثلين الراقصين يتراقصون على نموذج للكعبة المشرفة . وهناك العشرات من المسرحيات العربية التي قدمت تحت يافطة التجريب قد دخلت في دائرة المحاكاة من تجريد العروض المسرحية من الكلمة ومن إقحام لراقصين وراقصات " الباليه " بحركات لاتوصل معنى أو فكرة ولاكلمة ، أو مسرحيات استغلت فضاءات مسرحية غير تقليدية لهدف إشغال المكان لذاته وليس لحسن استخدامه وتطويعه لخدمة العمل المسرحي .
وهذا هو حال معظم مسرحيينا العرب الذين انجرفوا وراء التجريب الأعمى بإدعاء مبالغ فيه وبخواء فكري مصحوب في كثير من الأحيان بخواء فني ، مما ولد لدي الشك في درجة وعي المبدع العربي في التعامل مع أعماله انطلاقاً من احتياجات عروضه المسرحية وملاءمتها لمجتمعه وبيئته .
والسؤال الذي يلح علي إلحاحاً أكبر وأطرحه على جميع المهتمين بجوانب التنظير المسرحي في عالمنا العربي هو أليست هناك محاولات تجريب حقيقية في مجال المسرح وليس من خارجه للكثير من المبدعين العرب بحاجة إلى التدوين والتوثيق بمنهجية علمية تشكل وسيلة حقيقية للتواصل مع المسرح العالمي ، أو بتعبير محور هذه الندوة : التثاقف مع الآخر ، حماية لمسرحنا العربي من هذا الطوق المحكوم بالعقد حيال كل ماهو أجنبي يحاصرنا ويشكلنا تشكيلا كما يريده هو ، بينما نحن نأخذ منه دون أن نعطيه . إن التحاور في العطاءات الإنسانية - لكي تصل إلى ذروتها ، وتحقق غاياتها - يتحتم عليها أن تتقاطع ، بل أكثر من التقاطع : على حلقاتها أن تتداخل ببعضها بعضاً لتشكل منظومة إنسانية ترفد بعضها بعضا من أجل إسعاد البشرية جمعاء وإغناء حياتهم الفكرية .
ففي عالمنا العربي من خليجه إلى محيطه مبدعون مسرحيون حقيقيون أضافوا للحركة المسرحية العالمية جملة من الإبداعات التي ترقى إلى أعلى مستويات الحداثة والتجريب لو وجدت من الباحثين المتخصصين مايكفي من اهتمام ، ولو ترجمت مناهجهم الإبداعية إلى اللغات العالمية الحية لخلقت حالة التثاقف المنشودة ، مع ملاحظة ابتعادي عن ذكر أسماء هؤلاء المبدعين مخافة إغفال بعضهم ، ولعدم احتمال هذه الورقة للخوض في التفصيل ، تاركاً المجال مفتوحاً للنقاش الحي فيما بيننا كمتحاورين .
وختاما إن التجريب في المسرح كان ولايزال مطلباً وضرورة ولكننى شخصياً من المتحيزين وبشدة لأن يأتي التجريب في المسرح من داخله وليس من خارجه . فأنا ضد حالات التعدي التي انتشرت في الآونة الأخيرة على فن المسرح من فنون أخرى لها كيانها الخاص ، الأمر الذي جعل التجريب في المسرح لدى الشباب من المسرحيين وكأنــه فــن هجين . والتجريب في المسرح متاح لمن يمتلك قبل كل شئ ناصية هذا الفن الإنساني النبيل بصفة
فعلية ، وهو ليس مجالاً لتجارب الهواة وفاقدي الموهبة الفعلية . فالفنان التشكيلي الذي ليس بوسعه أن يرسم صورة " بورتريه " لشخص حي رسماً متقناً
أو أن يصور منظراً طبيعياً يدل على تمكنه من فنه هيهات له أن يتجاوز بإمكاناته المحدودة فضاءات الابداع التشكيلي ومدارسه الفنية الحديثة .
يقينا ، إن التجريب في المسرح نتاج نضج فكري وفني ، وليس مجال عبث وتخريب بدعوى التجريب وباسمه ، مع تأكيدي على أن هذا المهرجان - مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي - قد أفرز لنا عبر دوراته المتلاحقة منذ بدايته مجموعة من المبدعين العرب المسرحيين ، الذي يعملون وفق منهجية علمية على المستويين الفكري والفني ، مشكلين بذلك حالة من حالات التفرد والتميز بعيداً عن التبعية والمحاكاة ، وبالتالي يحتاجون من الجميع إلى الأخذ بيدهم ورعاية فنهم لتحقيق مستوى لائق من فن المسرح في وطننا العربي يستطيع أن يتلاقى ويتلاقح ويتثاقف مع الحركة المسرحية العالمية ويحاورها ، لأننا - إلا في حالات نادرة - لم نستطع أن نخلق هذه الحالة من التكافؤ بين التلقي والعطاء . وفي رأي أن هذه المسؤولية ليست مسؤولية المبدع المسرحي وحده إنما هي مسؤولية القائمين على الشأن الثقافي الرسمي العربي أولاً ، ومسؤولية الباحثين المسرحيين العرب أيضاً .
المخرج
فؤاد الشطي
الكويت : 24/8/1999م