فؤاد الشطي

مخرج مسرحي بمعادلات مركبة في العرض المسرحي

 

بقلم: د. عبدالرحمن بن زيدان

مسرحي، وكاتب وناقد

وأكاديمي معروف في مجال المسرح

 

تعني الكتابة حول تجربة المخرج فؤاد الشطي الحديث عن حضور مسرحي مميز في فرقة المسرح العربي، ضمن تجربة المخرجين الكويتيين خاصة، والمخرجين في الوطن العربي بعامة، وذلك بعد أن تمكن من فرض أسلوبه وخطابه على إنتاج الفرجة المسرحية العربية الأصيلة، وبعد أن خلق التميز الخاص الذي اختص به في رؤيته الإخراجية التي عرف بها كيف ينقل النص المسرحي المكتوب باللغة الدرامية "بالفصحى أو العامية" إلى لغات أخرى أراد بها تأصيل أسلوبه بشعريات أخرى كان يؤلف فيما بينها لتوليد كل المعاني التي تكون تجربته، وتكون منهجه في الإخراج.

إن جمع خصوصيات هذه التجربة في الخطاب النقدي، ووضعها ضمن مشروعه الفني في الإخراج، يتطلب الرجوع إلى اختياراته وغاياته كما حققها في المسرحيات التي أخرجها، ومن خلال هذه الاختيارات يمكننا إعادة نسج العلاقات التي تجمع بين فؤاد الشطي المخرج، وفؤاد الشطي القارئ المؤول للنصوص التي يقدمها مفسرا وموضحا لدلالاتها، داخل تجربته الخاصة التي هي بالمقارنة مع باقي تجارب المخرجين العرب تمتلك بنياتها وتجريبيتها ومغامرتها الإبداعية لتأصيل الفرجة المسرحي في المسرح العربي.

خصوصيات التجربة نابعة من تكوينه وانفتاحه على تجارب المسرح في دول الخليج العربية والعربية، وهي تجربة لم تأت من فراغ، ولم تأت صدفة لتدخل مجال التخصص في الإخراج المسرحي، وذلك لوفرة مجموعة من المرجعيات التي كانت تغذي اشتغال الفرجة لديه، وكانت تشحذ إرادته للاستمرار في التجريب المسرحي الذي يساعده على تحقيق التأصيل المسرحي في المسرح الكويتي، وتغيير عادات المتلقي للمسرح بأشكال جديدة تكون محملة برؤيته ومهاراته وهو يفعل حيوية الحركة المسرحية ورموزها وعلاقاتها بالجمالي والسياسي والتراثي الذي صار عالما جديدا في المسرح.

والمرجعيات عند فؤاد الشطي لا تعني سوى الاهتمام بالعملية المسرحية بكل مكونانها النصية والإخراجية التي تقدمها هذه المرجعيات، والاستفادة منها، واستخلاص الدروس منها خدمة لأسلوبه في الإخراج، وخدمة لصناعة الفرجة في التجربة المسرحية الخليجية. وهو أثناء التعامل مع هذه المرجعيات متمثلة في تخصصه المسرحي والإعلامي والإخراج التلفزيوني كان يسعى إلى نقل تقنيات المسرح إلى مسرحه بهدف توظيفها في العملية الإخراجية وتسخير أدواتها بالشكل الذي يلائم قناعاته التي كونت أطروحته " وتيماته " في مسرحه، وهي المتمثلة في إعطاء الشرعية للخطاب المسرحي بهذه الأدوات كوسيلة وليست غاية وهدفا، وإبراز التزامه بقضايا الإنسان، ليس بوصفه معطى مجردا خارج التاريخ، أو خارج السياقات الزمنية والمكانية، بل بوصف الإنسان كائنا اجتماعيا ينتمي إلى واقع المخرج وإلى تاريخه وزمانه ومكانه.

كل المؤشرات والعلامات التي يؤثثها زمن العرض ـ بهذه المرجعيات ـ تدل على وجود البعد العربي في هذا الإنسان، وتدل على وجود هذا الإنسان في قلب الزمن المسرحي بوصفه زمانا واقعيا يقدم واقعية العرض بواسطة نص المؤلف وبواسطة نص المخرج وإبداعه البصري والحركي والدلالي، ويضعه في قلب الزمن المسرحي بوصفه زمانا يقدم واقعيته بمتخيل المخرج الذي يعطي للغات النص وظائفها السمعية والبصرية والمرئية في كل الحركات والألوان والأقنعة خدمة للمؤشرات والعلامات التي تدل على قناعات المخرج.

إن الإخراج المسرحي عند فؤاد الشطي لعبة جمالية وفنية وفكرية وسياسية تمتزج كلها باللعب المسرحي في بنية العرض لإنتاج واقعية الرؤية والأهداف والغايات من الإخراج، لتقدم صورة الإنسان العربي، وتقدم صورة الواقع في الوطن العربي.

من بين هذه المرجعيات التي تكون عوالم الإخراج المسرحي عند فؤاد الشطي، النص الدرامي الذي يقنعه بمضمونه وبموضوعه، وتنسجم استراتيجيته وأحداثه وشخوصه مع المكون الدلالي الذي يريد إبرازه وتقديمه، وهو في اختياره لكثير من النصوص كان يؤكد هذه القناعة والاقتناع بجدوى تحديد منطلقاته ومسيره في اللعبة المسرحية التي يقبض على خيوطها وينسج عوالمها لتحقيق المتعة الحقيقية أثناء تلقي العرض المسرحي من طرف المستقبلين. ومن بين الشروط الأساسية التي تحكمت في برنامجه الفني طوال تجربته الإخراجية هناك:

·  أن الإخراج المسرحي لديه إبداع ثان ينطلق من إبداع المؤلف كاتب النص    الأول كمشروع للإخراج ليصل إلى زمن العرض.

·   أن التجريب في الإخراج محكوم بإنتاج فكر وليس إنتاج عبث.

·   أن المسرح يقدم حياته في فكر يتفاعل مع حيوية العرض.

·   أن خصوصية التأصيل في التجريب المسرحي هي تجاوز السائد في المسرح الاتباعي الذي يكرس التبعية للمسرح الأوربي نتيجة انعدام المرجعية العربية في التأصيل.

هذه الشروط في تاريخ التجريب المسرحي عند فؤاد الشطي كانت مشروطة بوجوب توفر نضج فكري، ومعرفي بجدوى التوظيف السليم للأدوات الفينية توظيفا جماليا وإبداعيا يجعل العرض يتكلم بلاغة النص، وبلاغة العرض للوصول إلى التأصيل المبحوث عنه للمسرح في الخليج العربي.

و عند الحديث عن التأصيل، وعمل المخرج، و فرقة المسرح العربي، ودور فؤاد الشطي في الالتزام بالخط الذي ارتضاه لتجربته في الإخراج، نجد أن هذا التأصيل يرجع بالأساس إلى حاضن هذا المخرج الذي أعطاه هذا النفس الطويل في العمل في المسرح الخليجي العربي، ونقصد تكوينه المتعدد في مجالات مختلفة ومتباعدة ومتقاربة في نفس الآن، حتى أن الاختلاف في هذا التكوين جعله يوظف ما حصله وحصل عليه من خبرات، فقرب بين كل المجالات التي دخلت في تكوينه، ومما هو أكيد أن استحضار حصيلة هذا التكوين في اشتغاله الفني بالإخراج المسرحي قد ساعده على فهم ما يريد إنجازه، وساعده على تحقيق ما هو مقتنع به، فمهر عروضه بهذا التكوين، وبكل المعارف، والمهارات التي اكتسبها، ويظهر هذا التباعد والتقارب بين مرجعياته في التكوين من خلال المحطات الرئيسية في حياته، فكانت مصادر تكوينه مبنية على الاختصاصات التالية:

·  دراسته التخصصية في المسرح وحصوله على دبلوم معهد الدراسات المسرحية بالكويت عام1969.

·   التخصص في مجال الإعلام من جامعة كولومبيا.

·   المساهمة في الدورات التدريبية حول الإخراج التلفزيوني.

·   والمصدر الأكثر أهمية في صقل موهبته ومداركه وذوقه وإبراز كفاءاته هو انتماؤه إلى فرقة المسرح العربي، بخاصة، والخليجي بعامة، واحتكاكه بثلة من المؤلفين والمخرجين والمفكرين الذين رسموا لهذه الفرقة برنامجها الفكري حتى تسهم في إغناء المشهد المسرحي الكويتي والخليجي. ومن بين هذه الأسماء الوازنة صقر الرشود، عبد الحسين عبد الرضا، حسن يعقوب العلي، جاسم الزايد، حمد الرجيب، الدكتور أحمد عتمان، سعد الفرج، محمد جابر، سمير سرحان، طارق عبد اللطيف،ومخرجين أمثال حسين الصالح.

هذا التعدد المعرفي عند فؤاد الشطي، في المسرح، والإعلام، والإخراج التلفزيوني، والاحتكاك بالتجارب المسرحية العربية والعالمية، كانت محفزات هامة دفعت به إلى تسخير هذه المعرفة لخدمة اشتغاله المسرحي، وفي اختيار النصوص المسرحية، والعمل على تمرير الخطابات التي يريد تمريرها للمتلقي الخليجي والعربي، فكان اختياره لهذه النصوص محكوما ببعده العربي، ومحكوما باختيار المؤلفين الذين يقتربون ـ أكثر ـ من اختياراته ومن اختيارات فرقة المسرح العربي، سواء أكانت اختيارات فنية أو كانت رسائل إيديولوجية مخبأة في ثنايا هذه النصوص، وغالبا ما كانت هذه النصوص المسيسة، تقنعه، وتقنع الفرقة، بجدوى تقديمها فوق الركح، لأنها تمثل ظلالا للواقع ، أو هي الواقع الدرامي الذي تبنيه هذه المسرحيات بمتخيلها في واقعية النص والعرض.

من بين المؤلفين الذي قدم المخرج فؤاد الشطي نصوصهم المسرحية، وأعطاها إبداعا في التلقي، النصوص التي تقدم صور الذات العربية في ماضيها وحاضرها المختل، ومن بين المؤلفين نجد توفيق الحكيم، طارق عبد اللطيف، والدكتور حسين يعقوب العلي، وجاسم الزايد، والأستاذ حمد الرجيب، وسعد الله ونوس.

وعلى الرغم من اختلاف الخلفيات الفكرية والجمالية والفنية والسياسية الموجودة بين هذه النصوص، فقد تمكن المخرج فؤاد الشطي من رسم رؤيته الخاصة بالمضامين والخلفيات التي تقدمها هذه المسرحيات، وكتب في فضاء العرض رسمه بإيقاع الإخراج الذي يبوح بالنقد الاجتماعي، والنقد السياسي، والسخرية، والكوميديا حتى يتفحص بعيون الكتابة الدرامية في الإخراج مواطن الضعف والضياع في هذه الذات، وفي هذا الرسم قدم قضايا وحدت اختيار هذه النصوص في:

·       الربط بين الرؤية التراثية والرؤية المعاصرة للتاريخ العربي في مسرحيات "سلطان للبيع"لتوفيق الحكيم، إعداد جعفر المؤمن، هذه المسرحية الذهنية التي تقدم المفارقات بين سلاطين المماليك والموقف من الجلاد، والمحكوم عليه بالإعدام، وتقدم كيف يمكن للحرية أن تنتصر على الجلادين.

·       وتبرز نوعية العلاقة بين التراث المسيس والكتابة النصية في إخراجه لمسرحية "عشاق حبيبة" فتحضر بالإشارة والتلميح الأحداث والتاريخ العربي في الحوارات التي تتحدث عن فلسطين، و تتحدث عن الصليبيين والصهاينة الآن، وكيف تنحني الهامات العربية أمام المغتصبين لأرضها ولكرامتها.

·       إضفاء الجو العربي الاحتفالي المسيس للعرض المسرحي على بناء الفرجة، حيث تحضر الرموز التراثية المستمدة من ألف ليلة وليلة في مسرحية "الثالث"للدكتور يعقوب العلي، ويحضر أبو الحسن المغفل والمقهى والشحاذين والسلطان المتنكر للحديث عن انعدام مفهوم العدل في زمن العرض وفي التاريخ العربي.

·       توظيف تقنية الصور الفانتازية لتقديم حالات القلق والضياع في مسرحية " عالم غريب...غريب "إعداد طارق عبد اللطيف، فيبرز الإخراج المسرحي هذه العوالم بشكل حلمي يقوم على عودة الموتى إلى عالم الأحياء ليجدوا العالم قد تغير، ويجدوا أن القيم قد دنست،وأن العلاقات قد تفككت بين الناس، وهو ما جعل المخرج فؤاد الشطي يساير متخيل هذه الرحلة الفانتازية بين عالم الأموات وعالم الأحياء، معتمدا على الاستعراضية الكارنفالية التي تقوم على لعبة الأشباح والخيالات والظلال القاتمة.

إن هذه التجارب الإخراجية عند هذا المخرج، تؤكد على اختياراته في الإخراج المسرحي في "سلطان للبيع"لتوفيق الحكيم، و"عالم غريب"لطارق عبد اللطيف، إعداد اللجنة الثقافية لفرقة المسرح العربي، ومسرحية "الثالث"للدكتور حسن يعقوب العلي، و"عشاق حبيبة "للمؤلف نفسه، ومسرحية "دار" وهي تأليف جماعي و"خروف نيام نيام" للأستاذ حمد الرجيب، إعداد اللجنة الثقافية، ومسرحية "إحذروا" لمحفوظ عبد الرحمن، و"رحلة حنظلة "لسعد الله ونوس.

وقد تميز إخراج هذه المسرحيات بالعمل على تحقيق التوازن ما بين المنحى الجمالي والبعد السياسي في المسرح، وجعل هذا التوازن قائما على الموضوعات المستوحاة من البيئة المحلية، والحضارة العربية، واستخدام اللهجة المحلية دون إقصاء اللغة العربية الفصحى في التواصل، وقد أضاف المخرج فؤاد الشطي إلى دعائم هذا التوازن الفنون الشعبية المحلية، والغناء والرقص، والأزياء المحلية لتفسير مضامين هذه المسرحيات.

إن أسلوب فؤاد الشطي في الإخراج المسرحي، قائم على الإيهام بالواقعية، وقائم على الأداء الكوميدي في الأداء الدرامي، وقائم على تجريب المسرح الارتجالي بمنهج يضع الفكرة بدون زمان ولا مكان ولا شخصيات، ويبني مشروع المسرحية بالمناقشة وتعميق فهم الأهداف المتوخاة من التجريب لتحديد الأبعاد المطلوبة لبناء الكتابة الدرامية كمشروع للإخراج بعد أن يكون بناء الشخصيات قد اكتمل على مستوى المفهوم والدلالات والطباع، كما تم إنجازه في مسرحية "دار" التي اقتربت أكثر من البيت الكويتي والأسرة في تغيراتها وتحولاتها، هذا الأسلوب ـ في كل هذه المسرحيات ـ تظهر فيه بصمات "بيتر فايس"، والمسرح الملحمي، والتعليمية، والأهداف السياسية، والاحتفال بالمتلقي والاهتمام به في العملية التواصلية، و تشكيل الفضاء والمنصات لتوليد كل الإيحاءات الممكنة للزمان والمكان.

لقد وظف فؤاد الشطي هذا الأسلوب في جل مسرحياته، فكان بمثابة المساعد القوي على تقديم النموذج الواقعي للإنسان العربي في كل مكان وهو يعيش التمزق داخل التقاليد الاجتماعية المغلقة، ويبحث عن الحرية، ويشجب الجلادين والسلاطين المتسلطين ويشجب التنكر، ويبحث عن العدل بكل الرموز الموظفة دراميا.

وتبقى الصرخة التي ترددها كل مسرحيات فؤاد الشطي هي التحذير من الضياع والسقوط في والزيف، والارتماء في رياح الشطط الذي يفضي إلى الضعف والهوان.إنه يحذر بهذه القضايا قبل أن يحل الطوفان بالعالم.وهذه القضايا هي الرابط بين كل المعادلات الصعبة في أسلوب فؤاد الشطي لتركيب العرض المسرحي بالخصوصيات العربية .

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com