فؤاد الشطي ... الجميل عطاءً
بقلم: عبدالإله عبدالقادر
كاتب ومؤلف وروائي معروف . له عدة مؤلفات ومسرحيات ومجموعات قصصية
يصعب على الإنسان أن يكتب عن صديقه، خوفاً من أن يوسم بأنه "يتملق" لكن الحالة بيني وبين فؤاد لا يمكن أن تدخل هذه المرحلة ، فكلانا لا يملك ما يغري الآخر، سوى صداقة امتدت سنوات طويلة لا نعرف مداها، وطريق مشترك سلكناه، وعشق المسرح عاملنا المشترك ومحبة زرعناها لمن سيأتي بعدنا ..
وبعد .. فلا خوف عن الحديث عن " أبو أسامه " فهو الصديق .. والأخ .. وهو الفنان الإنسان ، وما رأيت فؤاد الشطي يوماً وهو متجهم الوجه .. وكأن الابتسامة محفورة على وجهه ، ولم تكن تلك الابتسامة مكتسبة، أو زائفة .. إنما هي جزء من شخصيته، وتعبير صادق عن طبيعته .
هو الصديق الذي لا ينكر صداقتك تحت أي ظروف .. من لا يعرق أبو أسامه لا يمكن أن يسبر غوره .. والكثيرون يفاجأون به في الملتقيات والمهرجانات وسرعان ما يدركون أنه ملح تلك المهرجانات .. بل رغيفها .. وماؤها الصافي وهواؤها النقي .
منذ أن التقيت به ذات عام من القرن الذي مضى ، تلمست فيه الصدق والعمق حيثما يتحدث .. يمتلك روح طفل ومنطق حكيم فلا يخبئ شيئاً ، ولا يتوارى خلف الجمل الفضفاضة ، تحذلقاً أو تملقاً أو تشدقاً أو تفيهقاً .. لقد تعودنا منه نحن الأصدقاء ورفاق دربه أن يفاجئنا بكل ما في دواخله .. لم يشعر أبداً أنه يداهن .. وتلك مشكلته مع من لا يعرفه ، فهو لا يتستر وهو يتناول عملاً ما أو يحاورك وهذه الصفة قربته إلى قلوب معارفه وأصدقائه ، وليس هناك إشكالية ما بصراحته ، إنما أسعد كثيراً به ، طفلاً، إنساناً، وحكيماً، وصديقاً وأخاً .
أبو أسامه .. لو تحدثت عنه قرناً .. لما استوفيت عمق العلاقة التي تربطنا .. والتي لم تتأثر على الرغم من الأحداث الجسام التي مرت في حياتنا وهزت قناعات عديدة إلا قناعة تلك العراقة الإنسانية التي بيننا .. وأسمح لي أن أطيل في وصف شخصك الكريم .. أو العلاقة الفردية كأخوة .. وكفنانين يترافقان في طريق واحد ، وهدف واحد، هو المسرح الذي به نثمن الإنسان ، ونسعد البشرية ونقدس الوطن ، وننشر الجمال على الأرض ، ونغني به عند كل منحنى أو منزلق أو كارثة تحل بهذا الإنسان الذي ظل ويظل حطباً لمحرقه كل المجرمين والقتلة الذين يمرون بمزابل التاريخ .
لا يشك أحداً بإبداع الشطي كفنان مسرحي مبدع، أو هكذا عرفته طيلة العمر الذي أتمنى أن يمتد لكلينا .
ولأنني لا أريد أن أكتب من فراغ عن إبداعاته المسرحية وحتى أدرك كم "فؤاد الشطي" من مبدع حقيقي .. عدت إلى ماكتبته عنه قبل ربع قرن تقريباً . وتحديداً عام 1983 تحت عنوان "زعفران المتعة والإنتفاضة" والمنشورة في كتاب الموسم " المسرح في الإمارات رؤية نقدية" ومن بعض ما جاء بهذه القراءات.
"كان بارعاً عندما جعل من الجوقة ذات الملابس البيضاء والتي هي تطوير مسرحي للدشداشة" ضميراً للمتفرج الذي يراقب ويتفاعل ويحس ويرفض وينكت ويمثل ، وبالتالي فقد أعطى النص بعداً ورؤية واعية وإطاراً جميلاً استطاع أن ينفذ إلى المشاهد ببساطة ومتعة ، وتلك مسألة صعبة التحقيق .
وهو أيضا لم يفته الاعتمال في حكايته الشعبية على الحدوتة والأغنية والإيقاع الشعبي، والشطي حاول ألا يوهمنا بل أراد أن يوضح للمشاهد أن هؤلاء ممثلون يحاولون تقديم عرض مسرحي، وهو بذلك يحاول الدنو إلى بريشت إن أراد أو لم يرد، وشواهد كثيرة تؤكد ذلك ، أهما " الحمار عزوز الخشبي" والتأكيد عليه ، ومشاهد عديدة من التغريب ، إلا أن كل ذلك مزج باستعراضية كبيرة لمشاهد عديدة وهو بلا شك فنان التغريب، إلا أن كل ذلك مزج باستعراضية كبيرة لمشاهد عديدة، وهو بلا شك فنان صاحب قناعات راسخة لم تكن خافية بل كانت قناعات تفرز مواقف صريحة جداً .
إن ما كتبته قبل ربع قرن عن فؤاد الشطي المخرج الفنان بقناعة واعية، وما زلت عند قناعتي بل زادت رسوخاً وأنا أتابع مسيرة أخي أبو أسامه في مشواره الفني عبر ربع قرن بما يحمل من سنين انسلخت من عمرنا .. ولعلي أستشهد بآخر مرة كتبت عنه وكانت في نطاق شهادتي عن زميلنا الراحل صقر الرشود، وأثره وأثر المسرحيين الكويتيين في حركة المسرح في الإمارات ويمكنني أن أقول أن المسرحيين في الإمارات وجدوا في الشطي استمراراً لتجربة صقر الرشود باندفاعه، وصدقه، وإخلاصه، وإبداعه، وحبه للمسرح ، وانتمائه لجيل آخر من المسرحيين .
ووجد الشطي هو الآخر نفسه في مكان المسؤولية ليس في إخراج عمل مسرحي وهو الأسهل ، إنما في موقع يمتلك من المسؤولية والواجب والعطاء أكثر من عرض مسرحي ينتهي أثره بإغلاق الستار، فظل مواكباً للحياة المسرحية في الإمارات، متواجداً في كل مناسبة تستحق التواجد.
إن الحديث عن الأخ الفنان فؤاد الشطي قد لا ينتهي فهو يشكل أكثر من نصف العمر لقاء وهما مشتركاً ورفقة درب طويل وعر وصعب، إضافة إلى صداقة تجاوزت حدودها لنصبح أخوة قولاً وعملاً وفعلاً وضميراً .
أمنياتي الطيبة لأخي أبو أسامه وفي انتظار الآتي الأجمل .. لأنه جميل أيضاً .