فؤاد الشطي
لغة متقدمة في المسرح العربي المعاصر
بقلم: ياسين نصر
كاتب وناقد
لا يمكنك وأنت تبدأ الحديث عن فؤاد الشطي فنانا إلا وأن تضع نصب عينيك هذا الفيض من النشاط المتعدد، النشاط الذي يستفزك بحضوره، والقابل على العيش لفترات غير محددة. ما الذي يجعلني أعيد تفاصيل رحلة حنظلة وأنا بعيد عن المسرح العربي الآن لو لم تكن تلك المسرحية قد استقرت في ذاكرتي كنموذج لجهد فنان أراد أن يعبر في عام 1985 عن واقع ملتبس وغريب ومحاصر هو واقع العالم العربي. فوجد في رحلة حنظلة رحلته هو. أحيانا تجد نفسك أمام تيار من فاعلية مقلقة، أو في خضم حركة يخلقها شخص وإذا بها ممتدة في تربة أرض وفي ذاكرة أجيال. الفن الأصيل يقلق السكون ويستفزه ومن ثم يحركه، فيغمرك فيه، وقد يجرفك إن لم تكن مهيئا لان تعيد لنفسك توازنها. ومنذ عام 1985 وأنا أحتفظ بصورة قلما تغادر ذاكرتي لفرح هذا المخرج الفريد في المسرح الكويتي عندما يكون عمله متصدرا أعمالا كثيرة. لطبيعته هوية المشاركة مع الآخرين، تكون الفاعلية قد اكتسبت شيئا من الجماعية، والمسرح بطبيعته احتفالي فكيف إذا كان المخرج ابن أرض كلها طقوس واحتفال ورغبة في الحوار ومواصلة بما انقطع. وهو يحدثني عن علاقته بالمسرحيين العراقيين فإذا به يحدثني عن علاقته بالمسرح العراقي. يحدثني بمن تملأ صورهم أرشيف الذاكرة كما تملأ جدران فرقة المسرح العربي. وهو ربان يسيّر دفة السفينة بالاتجاه الذي يواكب به حركة المسرح العربي وليس ما يجري في المسرح الكويتي. فسيرة حياته سيرة حياة مؤسسة ثقافية كاملة تمشي على قدمين ولها رأس يفكر ومعدة تهضم ما يظهر من تيارات واتجاهات، وله إضافة لذلك نشاط اجتماعي يؤكده في مجالات مختلفة ومسار فني لا يخطئ هدفه. لذا فنحن لسنا بصدد سيرة حياة فنان مفرد اسمه فؤاد الشطي، بل في سيرة مؤسسة وضعت لنفسها هدفا فسارت إليه، ومؤسسة اهتمت بالجار القريب فتشاركت معه في فعالياته؛ الشارقة وغير الشارقة، ومؤسسة تمد خيوطها لغيرها في بلدان الجوار فتسهم في تنشيط مسرحها: العراق ومصر والبحرين والإمارات وتونس والقاهرة وبيروت، ثم تمد عنقها بعد أن رسخت قدميها خارج محيطها الخليجي لتجد نفسها في قمة التقويم والجوائز في مسارح ومؤسسات عربية تمتد على طول الوطن العربي وعرضه، ثم لم يقف قدم المؤسسة عن الحركة فإذا به يستطيل ليعبر البحار والمحيطات فيسجل حضورا في دول أوربا. ماذا نريد إذن من نخلة كويتية تمتد في سماء الخليج وبلدان العالم لتنثر ثمارها على الناس.
وأنا أكلمه من الكويت حيث حضرت ندور الرواية العربية11-13 12/2004 شعرت إنني اكلم أهلي في البصرة، صوت يقرب المسافة أو أن المسافة في لقائه ما عادت مسافة. ففؤاد الشطي ممتلئ بطاقة الدعوة للحوار،وممتلئ بحب المسرح الذي صرف كل حياته له، ففيه رؤية تشعرني أنني قد شاركته تجربته وقد شاركني محني وتنقلاتي وما مررت به، كأنما ولدنا معاً في قارة مجهولة كل منا يبحث عن مظلة ليصحو تحتها من غفوة الزمن العربي . عندما يحدثك عن مسرح الكويت يحدثك عن تاريخ نبت في سباخ البحر ونما ليصبح كيانا في كل منطقة كويتية. وعندما يحدثك عن تجارب مسرحية عراقية زارت الكويت في أواسط الستينات يحدث عن علاقة فنية ما تزال تغذي أشجارا من العاملين ، وعندما يحدثك عن المحن التي مر بها الفنانون العراقيون وهم ينشدون الحرية في بلدان العالم يحدث عن أجزاء من روحه غادرت وعليه أن يتتبع أخبارها عله يجد من يعيد به هدوءه المفقود، وعندما يحدثك عن رغبته في مواصلة الحوار والعمل مع المسرحيين العراقيين يحدثك عن ظرف جديد على المسرحيين أن يستوعبوه ذلك هو أن العراق اليوم ما عاد عراق الأمس يكبل الحرية ويقيد المشروعات ويجير الفن لصالح سلطة جائرة.
كان صوت فؤاد الشطي، قد وصلني وأنا في غرف عمان الرطبة، هاربا من وطني، وكنا وإياهم نعاني من نتائج احتلال مريض سببه العراق للأرض وللإنسان، يبحث عنا نحن المهاجرين العراقيين في المنافي شأنه شأن كبار الأصدقاء الذين يكبرون في المحن ومنهم ليلى العثمان، وعبد العزيز السريع فوجدونا أصحاء معافين نمشي على أقدامنا، لم نحن لأحد كالرايات. فاستطالت قاماتهم بمواقفنا ودار الماء في عروق كلماتهم فأنشدوا أناشيدنا في المنفى. هل كان فؤاد الشطي يؤسس لنمط من الفنانين المسرحيين الذين لا يقفون عند عتبة فن إلا وتجاوزوها لأخرى. أعتقد وأجزم أن الشطي أحد هؤلاء الكبار الذين سيذكرهم النقد والتاريخ المسرحي بهالة من الاعتزاز والافتخار من أنهم قدموا للكويت أولا وللمسرح العربي ثانيا جيلا من الفنانين الذين دأبوا على أداء الكلمة الحق.
في عام 1985 وهو عام محن فاصلة في حياتنا جميعا،عقد فيه مهرجان المسرح العربي في بغداد وكانت إيران في العام نفسه قد أعلنت أنه عام حسم المعركة مع العراق، في الوقت نفسه كان عاما للمسرح العربي، فاخترت لأن أكون أحد اثنين من العراق في لجنة لتحكيم مهرجان المسرح العربي أنا والدكتور جميل نصيف. فوجدنا أن مسرحية " رحلة حنظلة" كانت واحدة من مسرحيات خارج أي بهرجة سياسية آنية. هذه المسرحية صوت نافر في قافلة الاستسلام لسياسة ممتلئة بشراء الذمم، وقد جهدنا جميعا أن يكون لمسرحية حنظلة ثقلها وحضورها ومميزاتها وهي التي تدعو للنضال من خارج مؤسسات الدول الرسمية العربية، ويوم أعلنت الجوائز رأيت كوفية وعقال فؤاد الشطي ترتفعان في سماء القاعة معلنة حضور الكويت كلها في الجائزة، عندها عرفت أن قرارنا كان صائبا وان صوتنا المعاند أثبت أحقيته في لجنة كان تأثير السلطة فيها مرتبكاً.
ليس هينا أن تظهر في الكويت سلسلة المسرح العالمي بعد أن تخلت مصر عنها، وهي السلسة التي تربت عليها أجيال من الفنانين والأدباء والنقاد، فالأمر ليس تبديل مكان إصدار السلسة بمكان آخر، بقدر ما تحولت الكويت في تلك الفترة إلى ورشة عمل للمسرح العربي كله، ويعود الفضل في هذا النشاط للفرق المسرحية الكويتية التي كانت أعمالها الجادة كثيرة وأعمالها الهابطة كثيرة أيضا، وأعتقد أن أنشطة فؤاد الشطي وجيله تقف وراء إصدار مثل هذه السلسلة وغيرها بعدما وجدت الثقافة في الكويت أرضية يمكن أن تستند عليها.
وليس هينا أن تجد أن فرقا مثل فرقة المسرح العربي تفكر في تكريم مؤسسيها وروادها لولا لم يكن قد أصبح لديها تاريخ تفتخر به، ونشاط يمكن أن يطرق أبوابا عدة، ولغة فنية يمكن أن تدون وتكتب ويقال فيها الكثير فتراكم المعرفة الفنية ليس بوجود رجال قد كبروا بل بوجود نشاط ما يزال حيا لجيل أسس ما يمكن أن يكون مدار حديث وتجريب لأجيال لاحقة.وفؤاد الشطي في مقدمة هذا الجيل.
وليس من نافلة القول أن تجد تكريم فنانين من أمثال فؤاد الشطي لمجرد أنه قد تقاعد وظيفيا فمثل هذا لا ينطبق على الشطي ، بل نجد في نشاطه وفورات رغباته نموذجا يمكن أن يحتذى على مستوى الدراسة والنقد وكتابة فصول من حياة الثقافة. فالفن الأصيل لا يعرف التقاعد والسكون، حيث حركته تولد طاقة من التجريب،وفي زيارتي لفرقة المسرح العربي والتخريب الذي رأيته فيها نتيجة احتلال الكويت شعرت أن ما حدث في المسرح الوطني العراقي ومسرح الرشيد من سرقة وتدمير وخراب تم تحت هيمنة العقلية التدميرية نفسها التي دمرت المسرح العربي في الكويت ومنشئات ثقافية أخرى. فالنظام المستبد لا يقسو على جيرانه فقط بل على وطنه. والأحداث الجارية نموذج على العقلية التي تخشى الثقافة.
في جولة الصور التي ملأت جدران فرقة المسرح العربي وكلها من أرشيف فؤاد كما عرفت، وجدت أن لكل صورة حدثا، يشكل جزء مهما من ذاكرة فنية مهمة لم ترى النور بعد على هيأة كتاب يسرد تاريخ وعلاقة تلك الصور. فنحن نخطئ تماما إن اكتفينا بأن نعلق الصور ونجعل منها مرآة لتاريخ المسرح الكويتي دون أن تتحول أمكنة وشخصيات تلك الصور إلى لغة يقرأها الناس خارج المسرح المعلقة فيه، بل ويتذكرها الناس والنقد كلما مرت بهم حادثة أو صورة مشابهة ، كنت أدعو وأنا في العراق إلى أن يتحول أرشيف المسرح العراقي إلى مدونات مكتوبة وليس إلى وثائق محفوظة فقط، وكأني أدري أن زمن الجراد البعثي سيأتي على أخضر العراق ويابسه فيدمر تلك الوثائق وتسرق بعضها ويمزق حتى قبل الحرب على الكويت بعضها الآخر فأصيب المرحوم أحمد فياض المفرجي بجلطة قلبية ثم قيل أنه أنتحر لاحقا بسب ما أصاب أرشيفه من تدمير وسرقة وحرق ثم جاءت الحرب الأخيرة فاحترق المسرح وذاكرته .
وأنا أشاهد مئات الصور معلقة على جدران المسرح العربي وفؤاد الشطي يمسك بيدي ليريني ما يجعله حاضرا في ذاكرة الثقافة العربية نزلت دمعة من عيني تقرآن تاريخا قد يأتيه النسيان وهو عندي من أكثر الوثائق صدقا في رواية تاريخ المسرح الكويتي. ولم أبح بالأمر لفؤاد برغبتي الحقيقية في تدوين تاريخ هذه الصور خشية أن يقول أننا قادرون سواك في كتابة مثل هذا التاريخ وأرجو أن يحقق ذلك على يد نقاد قديرين فمسرح الكويت ليس النصوص ولا العاملين ولا الجمهور فقط، بل أرشيفه وصوره وذكرياته فالتاريخ الحقيقي لا يكتبه الرسميون والنقاد بل أولئك الذي تحلقوا كثيرا بشخصيات المسرح وهو يشاهدونهم على الخشبة أو في الأسواق أو في مدونة الصحيفة اليومية.
هل قلت أن فؤاد الشطي مؤسسة ثقافية تمشي على قدمين، إذا لم ينفع قولي ذلك فسأعيده ثانية: ما رأيته في جلسة حوار لم يشاركنا فيها أحد سوانا كنا نحلق بعيدا في تركيبة الثقافة العربية وفي المسرح الكويتي على وجه الخصوص، فوجدت أن في جعبة الرجل أكثر من مشروع، وأكثر من طماح غير معلن، خاصة وان لم يظهر للناس غير المعلن في أرشيفه لذا يأتي التكريم- وأخشى من ذلك - أن يدع الرجل مكتفيا بما أعطاه ويجعل منه ذاكرة محصورة في كتاب للتداول، في حين أن دم هذه المؤسسة ما يزال حيا وطريا ونشطا ولديه من المشاريع ما يجعل هواء المسرح أكثر نقاوة وتجدد، ومن بينها ما يحتفظ فيه داخل هذه الصور المعلقة التي ترحل بك إلى القاهرة وإيطاليا ولبنان وسوريا والعراق ودول الخليج، تحلق بك ذاكرة حيث أن كل صورة لها زمنها ومكانها، وتحلق بك مادة حيث أن كل صورة لها قصتها وفكرتا، وتحلق بك أبعد مما تتصور عندما ترتبط مادة هذه الصور في رسم الملامح الخفية لتاريخ المسرح الكويتي من خارج غرف المكياج والخشبة والنص.
أكتب هذا النص في نهاية عام يمر وبداية عام يأتي وكل طماح بأن أرى فؤاد الشطي يعبر هذا القرن أيضا وهو يلوح بعقاله وكوفيته في سماء المسرح العربي.
لاهاي في/ 28 ديسمبر /2004