" الخــل الوفــي "

بقلم: عبدالعزيز السريع

كاتب مسرحي كبير ، ومدير سابق للثقافة  في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب

وله عدة مسرحيات مهمة

والأمين العام لجائزة عبدالعزيز البابطين الشعرية

 

 

 هل كان الشاعر صفى الدين الحلي مخطئا عندما اعتبر الصديق الوفى أحد الأعمدة الثلاثة للمستحيل بقوله:

            أيقنت أن المستحيل ثلاثة       الغول والعنقاء والخل الوفي

فالنادر غالبا ما يقترب من المفقود ويأخذ حكمه ، ولكن الندرة لا تعنى الاستحالة المطلقة وإلا لكانت الحياة صفحة مظلمة ، فالحياة ما تزال تفاجئنا في بعض منعطفاتها بضوء ينير لنا مساحة من مساحاتها ، بإنسان يتوهج داخله ويفيض على الاخرين من ضيائه ، هؤلاء هم الذين يجعلون الحياة حلوة برغم الكثير من مراراتها وجديرة بأن تعاش . واذا كان الانسان يتعرف فى حيه ومدرسته ومجال عمله الى كثرة من الناس ، بعضهم يمر فى ذاكرته كطيف عابر، وبعضهم يحتل ركنا من النفس ، والقليل منهم يتلبس بكيانه فيصبح ضرورة ماسة كالهواء والماء لا يستطيع المرء أن يستغنى عنه ولا ينطفىء من ذاكرته،أولئك هم الأخلاء ، ملح الحياة ، ونورها المشرق ، وروحها البانية ، وسلامها المبتغى  .

من هذا الصنف النادر الأستاذ فؤاد الشطي ، فقد تعرفت اليه من أربعين عاما وهى مدة من الزمن أكثر من كافية لتميز الخبيث من الطيب والزيد مما ينفع الناس  .

فى ذلك الزمن الجميل ، زمن العمل والأمل ، زمن الشباب والحماس والأحلام الممتدة ، التقيت الأخ فؤاد الشطي. كان المسرح فى ذلك الزمن، شغفى الأول الذى يكاد ينقلب الى هوس يشاركنى فيه نفر قليل من الزملاء ، وكنا نسعى بكل اندفاع لاستزراع هذا الفن الرائع فى تربة لم تعرفه من قبل إلا بشكل مبسط ، وكنا نمتلك الى جانب الحماسة الإدارة والصبر والمعرفه ، وكلها ضرورية لتحقيق هدف سام . وكانت الكويت قد استدعت من مصر الأستاذ زكى طليمات لتخرج بخبرته من مرحلة ساد فيها مسرح الارتجال حيث الهواية والفرجة للتسلية ، وملامسة الغريب والهامشي فى الشهد الاجتماعي ، الى مرحلة المسرح الجدي حيث الاحتراف ، والانفتاح على منابع هذا الفن ، والتغلغل فى صميم البيئة الاجتماعية لكشف المستور خلف ظواهرها المتحولة  .

وكانت هذه النقلة الكبيرة مواكبة لكثير من التحولات التى أخذت الساحة الثقافية فى الكويت تحفل بها وهى تودع أسوارها ومغاصاتها لتلحق بحركة العالم المتطور وبقفزاته المدهشة .  وكانت هذه النقلة بحاجة الى نفر من المؤمنين بها لكى تحقق اختراقها لواقع غير موات لها ، وكان فؤاد الشطى أحد جنود هذه الكتيبة الأمامية التى أخذت على عاتقها حمل هذه المهمة الرائعة والمجهدة ، التقيت به للمرة الأولى وهو فى حصة تدريب مع الأستاذ زكى طليمات عام 1965 ، وأعجبنى فيه فهمه السريع لما يطلب منه ، وأداؤه بحرفية متميزة، وشدنى إليه اسجابته لمتطلبات التدريب ، وتماهيه مع الدور الذى يكلف به  .

وكنا فى فرقة مسرح الخليج قد خطونا خطواتنا الأولى ونرغب فى تدعيمها بالخبرات الواعدة فعرضت على الشطي الانضمام إلينا فى مسرح الخليج مع زميله عبد المجيد قاسم ، ولكن الشطى أعتذر عن عدم تلبية طلبي بسبب انتسابه وزميله الى فرقة المسرح العربى  .

وعلى الرغم من اختلاف ساحة العمل بيني وبين الأستاذ الشطي فى فرقتين مسرحيتين بقي الشغف بالمسرح والرغبة العارمة بالارتفاع به الى مستوى البلاد المتقدمة هاجسنا المشترك ، واستمرت اللقاءات فيما بيننا فى مناسبات كثيرة ، وجرت حوارات متعددة تعرفنا فيها الى بعصنا البعض بصورة أدق وأعمق  .

         وفى كل مرة ألتقيته كنت أزداد إعجابا به ويترسخ لدى الاعتقاد بقدرته على النهوض بالمسرح الى مرتبة أعلى ، وعلى الرغم من افتراقنا فى العمل داخل المسرح : احترافى للكتابة المسرحية ،  واحترافه للإخراج فقد بقي الانتساب إلى هذا الفن الراقي والممتع يوحدنا منطلقا ومقصدا ، واكتست هذه العلاقة من الزمالة أفضل ما فيها:الاحترام المتبادل ، والمودة الصافية ، والقلب المفتوح على الاخر، وصدق توقعي فى الأستاذ فؤاد ، فقد غدا أبرز مخرجى الكويت وأفضلهم ، ومثل الكويت فى أكثر من مهرجان ، وكان موضع التكريم والتقدير فى كل المهرجانات التى شارك فيها ، وحقق شهرة عربية كبيرة  .

كان له الفضل الكبير فى تأسيس الاتحاد الكويتى للمسارح الأهلية ، وفى تأسيس المركز الكويتى للمسرح التابع للهيئة العالمية للمسرح ، وفى تأسيس الاتحاد العام للفنانين العرب ، وهى إنجازات كبيرة وضعت الكويت على خريطة المسرح العربى والعالمى للمرة الأولى . ولم يكن بإمكان الأخ فؤاد أن يحقق هذا الحضور البارز فى الساحة الداخلية والخارجية لولا أنه جعل من حياته حياة فى المسرح وله ، وأصبح المسرح هو المجال الذى يتفاعل من خلاله مع الوطن والعالم ،مع الانسان والطبيعة  .

وقد سعدت بتجربة مشتركة مع الأخ فؤاد فى مجال المسرح وهى تجربة أعتز بها كثيرا ، عندما أخرج من إعدادي مسرحية (الثمن) لآرثر ميلر . وكان عرض هذه المسرحية جميلاً وأخاذاً بفضل ما أضفى عليها فؤاد الشطى من فهمه للنص وإبداعه الإخراجى مما جعلها تحفة فنية مميزة  .

ولم تكن علاقتى بالأستاذ فؤاد مجرد علاقة مهنية تنحصر فى جانب العـمل ، بل تحولت الى صداقة باهرة ، وإذا كان الإبداع فى أى مجال من المجالات هو اختراق للمألوف لاكتشاف المدهش فيه ، فإن العلاقة الإنسانية ترتفع الى مستوى الإبداع عندما تتحرر من رتابة الروتين ، من لزوجة العادة ، وبرودة العادي. وتفصح عن الغنى الداخلى الذى يمتلكه الإنسان حين يتحرر من قيود الذات ويتجاوزها إلى رحابة الآخر ودفء مشاعره ، فإذا تفاصيل الحياة المملة تتحول فجأه إلى علامات مضيئة فى المشهد الإنسانى  .

وأشهد للأستاذ فؤاد أنه بالإضافة إلى إبداعه فى الإخراج المسرحى فهو مبدع بالدرجة نفسها فى العلاقات الإنسانية  .

ولقد زاملته فى زمن الكفاح الممتع ، فى ذلك الزمن المفعم بالأمل وبالحماسة ، وعلى مدى ذلك الزمن الجميل لم أجد منه إلا الصدق مع الزملاء حتى عندما يكون الصدق محرجاً ، ولم أشهد منه إلا الوفاء للأصدقاء ، الوفاء الذى يقتضى أحيانا تحمل عبء المسئولية بشهامة وأريحية ، هذا الوفاء الذى لا يتجزأ، فيتسع مداه للوطن الغالى ولأمته العربية ، حيث يخفق قلبه فرحاً فى أعيادها ، وألماً فى مآسيها .

ولم أعرف عنه إلا الكرم الذى يتجاوز القدرة ، والسماحة التى تجمع القلوب فى إضمامة واحدة متناسقة  .

وهو يتمتع بحيوية مدهشة تجعل منه رفيق سفر مثالى ، ونديما ممتعا لا تمل مجالسته ومحادثته ، وهو محب للحياة منفتح على أطيابها وبما فيها من متع ومسرات .

وإذا كان الكلام التزاماً أخلاقياً فإننى أشعر براحة تامة أذ أتيح لى من خلال هذه الشهادة الشخصية عن رفيق زاملته على مدى أربعة من العقود ، أن يتزاوج صدق الشهادة مع واجب التكريم والإشادة ، دون أن يجور طرف منهما على الآخر ، وهذه أعلى درجات التكريم ، وأقول للصديق والأخ والزميل والحبيب الأستاذ فؤاد الشطى فى الختام ، ما أروع الحياة إذا ارتبطت بهدف عظيم ، وانفتحت على كل الآفاق  .

 

 

 

عبدالعزيز السريع

كاتب مسرحي

وأمين عام جائزة عبدالعزيز البابطين للإبداع الشعري

ومدير سابق لإدارة الثقافة والفنون والآداب بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب .

 

 

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com