|
فؤاد الشطي رمزا حيا ..للفن والإنسان ..
بقلم: د. محمد مبارك بلال
أكاديمي وباحث ومؤلف مسرحي وناقد وأستاذ النقد المسرحي في المعهد العالي للفنون المسرحية له عدة أبحاث ومؤلفات في المسرح
آنية فؤاد الشطي ( أي مكانته في الآن ) لا يمكن فصلها عن أمسه ، أو على الأصح عن أمسنا ، فالشطي ذو هواجس وشجون تتملكه، وتربطه بقوة إلى الأمس ، ولن تدعه يبادر بفصل الأمس عن اليوم، أو دوره الآن ، عن أدواره خلال الأربعين سنة الماضية، فهو ببساطة ، مازال يمارس بعناد جميل، ما آمن به منذ التحمت روحينا ببعض ، أمام رهبة المعلم الرائد أستاذنا زكي طليمات في منتصف القرن الماضي ! ، كنا طلبة في معهد الدراسات المسرحية المسائي ، وكان فؤاد الشطي يرفض أن يكون طالبا فقط ، أصر أن يكون أقرب إلى الحواري، الملتصق بطليمات ينهل من علمه وخبرته وريادته، كان لا يكاد يفارقه أو بالأصح لا يريد ! .. ولا عجب في ذلك، ففؤاد الشطي تربى في فرقة المسرح العربي الرائدة، والتي تهيمن روح طليمات على أجوائها، فهي مختبره الأول ، بل انه مختبر المسرح الكويتي الأول بلا منازع. كان فؤاد يفهم مكانة ذلك الفنان والأستاذ المهيب ، بالنسبة للشطي ، فهو انتقال من فصل تعليمي إلى آخر ، لأنه من أوائل الفنانين الشباب ، الذين انضموا إلى فرقة المسرح العربي منذ بدايتها في 1963 .
وان كان لنا أن نرسم تدرجا بيانيا لعشق فؤاد الشطي – وهو أمر صعب لمن يعرفه – فسندخل متاهة أحاسيس الشطي المتلاطمة كبحر هائج ، فبين اعتزازه بعروبته ، وعشقه لكل ما هو كويتي ، واحتفائه بالإنسان والفن ، مساحات صغيرة ومتقاربة ، تجعل التفرق والتحديد عملا في غاية الاستحالة !, ومن هنا تميز خطه بالثبات على المبدأ الواضح، لطبيعة فنه المسرحي وأهدافه. لقد آمن الشطي – بغير تعال أو ضجيج – بأن الفن كائن حي ومتطور ، ولتدعيم ذلك ، فقد عمل في شتى مجالات المسرح ، ابتداء من التمثيل إلى أعمال الخشبة الفنية ، محاولا استيعاب جميع الأساليب، والطرق الفنية في العمل المسرحي، وخاصة، ما وفره له جو العمل الدؤوب في فرقة المسرح العربي العتيدة التي كانت تقود العمل المسرحي في الكويت في الستينات ، لأنها مصدر روح التجديد المسرحي ، الذي قاده طليمات مبتدئأً بتأكيد المنطلق العربي ، لأسس المسرح في الكويت . لقد استوعب الشطي بعشق ، تلك العلاقة الجدلية التلازمية لطبيعة المسرح الكويتي ، متجاوزا الحقيقة ، بأن تقاليد هذا المسرح عربية في أساسها ، وغائصا في دلالية المفهوم العام، بكون الإنسان الكويتي عربيا في المقام الأول ! هذا الموقف الأيديولوجي هو الذي ميز تعامل الشطي مع المسرح وحلق بعقله وفنه المسرحي خارج نطاق محدودية الرؤية المحلية ، أو التراثية التوثيقية في المسرح التقليدي . ولذلك مثلا نرى الشطي ، يبدأ في تعامله مع توظيفات التراث من البعد العربي ، مثلما رأيناه مخرجا لمسرحية "سلطان للبيع" ولمسرحيتي الدكتور حسن يعقوب العلي "الثالث" و "عشاق حبيبة" ، مرتكزا على مواقف إيدولو – فنية عربية ، حول عروبة المسرح وأهمية الأشكال التعبيرية في التراث العربي !. وحتى عندما قدم تجربته التراثية الخليجية ، فقد طرحها ضمن إطار مادي ، يتجاوز روح المحلية، وذلك في اختياره لنص خليجي لجاسم الزايد بعنوان " نورة " ، ويدور حول قصة حب برئ ، مادا بعده الإيحائي لأجواء إحدى روائع شكسبير " روميو وجوليت " . كان هذا التراوح بين ما هو عربي وما هو خليجي ( ولن أقول كويتي ) أسلوباً مدروساً لدى فؤاد الشطي ، فهذه الروح الايدولو – فنية هي التي هامت به وبفنه الإخراجي ، ونقلته قسرا وباختياره إلى التنقل الجميل ، بين عوالم الرائد المرحوم حمد الرجيب العطرة ومسرحيته "خروف نيام نيام " ، وأجواء المسرح السياسي التسجيلي لدى المبدع المرحوم "سعدالله ونوس" في مسرحيتة " رحلة حنظلة " . كما ان الشطي وضمن نفس الأيديولوجية الفنية ، لم يبعد عن تقديم مشاركاته الإبداعية مع زملائه في المسرح الكويتي والخليجي ، فقام بإخراج العديد من المسرحيات ، مثل " عالم غريب .. غريب " و " احذروا " و " فرحة أمه " و " جنون البشر " و " طار الفيل " و " مراهق في الخمسين " و " القضية خارج الملف " . إضافة، فالشطي مع حبة والتزامه بفرقة المسرح العربي ، بيته الأول، الا انه لم يقصر نشاطه على فرقته ، فهو يرى أهمية تكاملية أطياف المسرح في الكويت والخليج ، ولذلك فقد ساهم بوضع الأسس للفن المسرحي في الشارقة عندما قام بإخراج ، رائعة الفنان عبدالرحمن المناعي " هالشكل يا زعفرانة " . كما كان الشطي دائما داعما ومدافعا ، عن أهمية وجود المهرجانات الخليجية والعربية والعالمية ، فقد شارك في المهرجان المسرحي للفرق الأهلية لدول مجلس التعاون ، الذي عقد في الكويت عام 1988 – وذلك بإخراجه لمسرحية الكاتب الأمريكي ارثرملير "الثمن" والتي أعدها المبدع عبدالعزيز السريع .
تلك الروح، وبصيرة الفنان والرائد ، التي تملكت فؤاد الشطي وفنه المسرحي ، كانت دائما وراء توقه إلى الانطلاق اللا محدود بالفن الكويتي ، الذي يراه كممثل للواجهة الحضارية لدولة المؤسسات الكويت ، ومجتمعها المدني الحر – والبحث عن مناطق جديدة من الحوار الفني المتعلق بالإنسان ، وهو ربما ما قاد الشطي إلى البحث عن آفاق من التعاون العالمي للمسرح في الكويت، خاصة بعد دراسته في أمريكا ، وتخرجه من جامعة كولومبيا ، واختياره لمساحات التحاور والتعاون الفني . مع العالم المتقدم في مجالات الفن والأدب ومن هنا نجد الشطي ، يبدأ في خلق ومد جسور مع الكيانات العربية والعالمية ، ابتداء من مساهمته في تأسيس كل من اتحاد الفنانين العرب ، واتحاد المسرحيين العرب ، واللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربي ، ومرورا بمساهمته للإتحاد الكويتي للمسارح الأهلية ، وتأسيسه للمركز الكويتي والإقليمي للهيئة العالمية للمسرح ، ومساهمته كعضو لجنة تأسيس للفرق الوطنية الكويتية للمسرح ، وانتهاء بمساهماته في الجانب الفني المتمثل بإخراجه لمسرحيات عرضت في العديد من الدول العربية ، مثل الأردن ، والعراق ، وسوريا ، ومصر ، وتونس والجزائر . إضافة إلى الجانب الإداري والمشاركة في إلقاء المحاضرات ، ولجان التحكيم ، في المهرجانات الخليجية ، العربية ، والعالمية .
اعتراف وعرفان لدور الفنان المبدع والرائد فؤاد الشطي :
مع أن سجل الفنان والمبدع فؤاد الشطي ، مليء بالجوائز وأوسمة التكريم والتقدير ، إلا أن مبادرة دولة الكويت الحبيبة في جعله أول فنان ينال جائزة الدولة التشجيعية في الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية لعام 1988 ، كانت تكريماً استثنائياً يحمل الكثير من الدلالات الإيجابية لاهتمام الدولة بأبنائها المبدعين ، وإضافة إلى تكريمه خليجيا وعربيا وعالميا ، فإن فؤاد الشطي يظل رمزا ورائدا وملهما ، لأجيال عديدة قادمة في الكويت والخليج والعلم العربي ، ومصدرا لإلهام في الكثير من الدارسات والبحوث الأكاديمية .
كلمة أرجو ألا تكون الأخيرة :
في زمن كالح كهذا ، أصبح فيه التطاول على الرموز ، لهذا البلـد الحبيب ، ديدنا لكل هالة كاذبة وغاوية ، ولكل متسلق يمارس التزوير ، حتى في حياته الكاذبة . في هذا الزمن الذي يباع فيه الضمير رخيصا ، من من يفترض فيهم أن يزرعوا الضمير ، لدى أجيال المستقبل ، يبرز فؤاد الشطي كرائد وكرمز ومعلم ، لأجيال من الفنانين والمبدعين وطلاب العلم ، ويتضح اليوم أكثر من أي يوم مضى ، في تاريخ هذا البلد الطيب ، دوره كمدافع حقيقي عن قضايا الثقافة والإنسان ، ومكتسبات المجتمع المدني في الكويت ، ومتابعة للقضايا العربية .. واستباقه إلى إعلان مواقف الدعم ، لجميع القضايا العادلة .. فالشطي هو واحد من ابرز أصوات الكويت ، المنادية بالعدل والحرية والمساواة .. لقد كان الفنان المبدع فؤاد الشطي ، يتحرك دائما باتجاه ضدي ، لما هو قائم من جمود في الفكر والفن .. وكان يرفض العزل التقسيمي ، لأنواع الأدب والفن ، ويرى بأن لها جميعا دورا تكميليا ، للمساهمة في تطوير مرافق حياة الإنسان في دولة المؤسسات ومجتمعها المدني !. عندما كان يرافق الرواد في رحلتهم الفنية ، كانت عينه الأخرى وعقله ، يتركزان على عناصر التطوير الأخرى اللازمة للتمهيد للمستقبل .. لقد رأى بعينه الفاحصة ، وقلبه النابض ، بحب الخير والتطور للكويت ومؤسساتها وخاصة الفنية – بأن الفن لا يمكن أن يتطور ويصبح فنا إنسانيا شاملا ، ما لم يلم بأساليب الخطاب الحضاري المتطور ، ويبتعد عن محدودية إقليمية ، مخاطبا الآخر كند ، مساو في القيمة والدور الإنساني ، المنوط بجميع مرافق دولة المؤسسات، وخاصة مرافق وأساليب الفن المسرحي مجتمعة .
|