بعيداً عن المسرح
الطفولة وما بعدها
فى أحد أيام منتصف القرن العشرين، وتحديداً فى 4/9/1951، وعندما كانت الكويت تنتقل من مرحلة البحر وصيد اللؤلؤ والتجارة والأسفار، إلى مرحلة النفط وبناء الدولة الحديثة، وُلد الطفل فؤاد سالم محمد الشطى، فى براحة الدبوس بحى الشرق (). وقد عاش فؤاد طفولة سعيدة بالقياس إلى غيره من الأطفال، تلك السعادة التى اتسمت بالموهبة والنبوغ الفنى.
توفى الوالد سالم محمد سلمان الشطى ()، فى عهدٍ مبكرٍ من حياة الطفل فؤاد، فكانت رعايته من قِبل أشقائه الكبار: عبد الله، عبد الكريم، عباس، سلمان، حيث كان فؤاد الأخ الخامس. واستطاع هذا الطفل، أن يكتسب بعض الصفات الإيجابية من أشقائه، ولم يستطع، فى الوقت ذاته، أن يحصى جميع صفاتهم الإيجابية، رغم تمنيه ذلك، ليقلل من صفاته السلبية.
فقد أخذ فؤاد الشطى، من شقيقه (عبد الله)، حُب الفنون بكافة أنواعها، مثل الموسيقى والغناء، وأيضاً أخذ منه نهمه الشديد للقراءة. أما ما أخذه من شقيقه (عباس)، فكان العصامية والجدّية فى العمل مع الحدّة والصرامة، الممزوجة بطيبة القلب وكرم اليد. هذا بالإضافة إلى إتقان العمل، وتأديته على أكمل وجه. كما أخذ من شقيقه (عبد الكريم)، الدقة والأناقة والتأمل فى الحياة، من خلال العُزلة والاعتكاف. وأخيراً أخذ من أخيه (سلمان)، الترتيب والنظام فى الحياة الدراسية، إلى جانب حُب المسرح، حيث كان سلمان يسبقه، بأعوام قليلة - فى الدراسة - وكان له نشاط مسرحى فى المدرسة، فعندما التحق فؤاد بنفس المدرسة، ترك له سلمان هذا النشاط، الذى برع فيه. وعلى الرغم من اتفاق جميع الأشقاء على معظم الصفات الإيجابية، إلا أن صفتى التديّن والسماحة تعتبران من أهم الصفات التى أحاطت بحياة هؤلاء الأشقاء.
لم يعلم فؤاد الشطى، أن الصفات التى اكتسبها من أشقائه، هى عين صفات والده، إلا فى وقت متأخر. فوفاة الأب المُبكرة، لم تُمكنه من التعامل المباشر معه، كى يتعرف عليه بصورة صحيحة، على الرغم من اصطحاب الأب له فى كثير من أسفاره التجارية إلى البلاد العربية والأسيوية (). ولكن عندما كبر فؤاد، سمع من كبار السن، وعُلية القوم حكايات وروايات مُشرفة عن والده. ومن هنا بدأ يتعرف على والده بصورة حقيقية، وعلم أن ما اكتسبه من صفات أشقائه، ما هى إلا صفات والده، الذى أخذها عنه بصورة غير مباشرة.
بدأت موهبة الطفل فؤاد، تتكون من خلال مشاهدته للأعمال السينمائية، التى كانت تعرضها بعض الأُسر الكويتية الثرية. فهذه الأُسر كانت تحضر آلة عرض سينمائى () وتسلط الصورة على جدار المنزل المطلى باللون الأبيض (الجبس). وكانت الحفلة الأولى خاصة بالنساء، والحفلة الثانية خاصة بالرجال. وبحكم كونه من أطفال الحى، كان فؤاد يحضر الحفلتين. وهكذا كانت الأفلام السينمائية، أول عالم سحرى ربطه بالصورة وبالتمثيل.
ومن الملاحظ، أن اهتمام الشطى بالصورة والتمثيل، ارتبط أكثر عندما تم إنشاء السينما الشرقية فى الكويت عام 1955 (). وكان الدخول إلى هذه السينما فى بدايتها وحجز بعض الأماكن بها يمثل إنجازاً كبيراً. وهذا الإنجاز كان الشطى وأصدقاؤه يحققونه دائماً، من أجل رؤيتهم للأفلام. ومن هنا بدأت موهبة الشطى الفنية تزداد، لأنه كان يحاكى مع أصدقائه ما شاهده فى السينما من أفلام، هذا بالإضافة إلى حفظه لمقطوعات حوارية كبيرة منها.
لم يكتفِ الشطى بالصورة المتحركة لإشباع موهبته التمثيلية، بل ضم إليها نوعاً آخر من القصص المصورة، التى تمثل نوعاً من المحاكاة، فى مجلتى (سمير وميكى) المصريتين. هذا بالإضافة إلى تواجده، شبه اليومى فى المكتبة المركزية للاطلاع والقراءة، وإشباع النهم الثقافى.
وتعتبر المرحلة الابتدائية فى حياة فؤاد الشطى، المحك الأول الذى شكل اهتمامه بفن المسرح. فعندما التحق بمدرسة النجاح، اكتشف ناظرها الأستاذ عبد الوهاب الزواوى، موهبته الفنية. لذلك اختاره للمشاركة فى عرض مسرحى مدرسى من تأليفه وإخراجه. وكانت المسرحية تدور حول صورة التعليم القديم فى الكويت عند المُطوّع. وقام الشطى بدور أحد الطلبة المشاغبين، حيث يعاقبه المطوع بفلقة قوية. وكان الطالب الذى مثّل دور المطوع مندمجاً فى الدور إلى أقصى حد، ومن ثم نال الشطى ضرباً مبرحاً، نتيجة لهذا الاندماج.
وقد واصل الشطى موهبته الفنية فى الأندية الصيفية، حيث كان رئيساً للهيئة الإدارية، ورئيساً لفريق التمثيل فيها. وكان انتخابه كرئيس يتم عن طريق الاقتراع الحر لزملاء المرحلة، ومنهم : حميد سلمان الناصر - المدير الإدارى للمعهد العالى للفنون المسرحية حالياً - وسليمان الياسين ()، وعبد الرضا كمال - فنان الكاريكاتير المعروف - وفخرى عودة - المشرف العام للقناة الرابعة بتلفزيون الكويت حالياً. وقدم الشطى أيضاً من خلال فريق التمثيل فى النادى الصيفى الكثير من الأعمال الخاصة بالأطفال من خلال برنامج ماما أنيسة.
بعد ذلك انتقل عشق الشطى للمسرح، إلى المرحلة المتوسطة، فى مدرسة الصديق. حيث كان رئيساً لفريق التمثيل بها. وكان الفريق يقدم الأعمال المسرحية الجيدة، وكان الشطى يشارك فى هذه العروض من خلال التمثيل والتأليف والإخراج، وكان معه من الزملاء سليمان الياسين، حميد سلمان الناصر، خالد عبد اللطيف رمضان، فخرى عودة، حسين المسلم ().
وفى هذه الفترة - وأثناء مرحلة الدراسة المتوسطة - شارك الشطى فى العديد من الأعمال التلفزيونية والإذاعية، التى كانت تُقدم باللغة العربية الفصحى، مع بعض الفنانين الكويتيين، أمثال : مريم الصالح، سعد الفرج، غانم الصالح، جعفر المؤمن، كاظم القلاف، على البريكى، حسين الصالح الدوسرى. وأيضاً بجانب بعض الفنانين العرب، أمثال : لطفى عبد الحميد شحاتة، محمد العشماوى ()، لطفى عبد الحميد سلامة، عاطف شعبان، أحمد رضوان، خالد العجبانى، ناعسة الجندى، سامية محمد.
وكانت هذه الأعمال على وجه الخصوص تُقدم فى شهر رمضان، من خلال المسلسلات الدينية، وكان معظمها من إخراج مُهند الأنصارى، وبعضها من إخراج نزار شرابى، مثل مسلسل (أسباب النزول) عام 1965، ومسلسل (مدينة النور). هذا بالإضافة إلى مشاركة الشطى فى الأعمال الشعبية، التى أخراجها حمدى فريد، وعادل صادق، ومحمد شرابى، وصلاح العورى، وسليمان المنصور، وعبد العزيز الفهد، ومنصور المنصور، بالاشتراك مع سعد الفرج وعبد الحسين عبد الرضا. وأيضاً شارك الشطى فى الأعمال الإذاعية التى كانت تُقدم بالفصحى، وكانت من إخراج مهند الأنصارى، وعلى الزفتاوى، وأحمد سالم، وخالد الرندى.
ومن الملاحظ فى هذه الفترة، أن هناك عدة درجات فنية، يجب على الإنسان الموهوب أن يصعدها حتى يصل إلى درجة النجومية. ودرجة النجومية كانت مُقسمة إلى درجتين، (نجم - نجم أول)، وهما أعلى درجتين. وفؤاد الشطى من خلال موهبته، استطاع أن يجتاز هذه الدرجات، حتى وصل إلى درجة (نجم) فى عام 1969.
وعندما حصل فؤاد الشطى على دبلوم معهد الدراسات المسرحية، تقلد وظيفة مساعد مخرج بالتلفزيون، فى أكتوبر 1969 (). وقد نفّذ الشطى عملين، كمساعد للمخرج نزار شرابى، وعملاً ثالثاً للمخرج أحمد الجاسم، بالإضافة إلى إخراجه للأجزاء التمثيلية فى برنامج (الأسرة). وهذه الأعمال تم تنفيذها خلال ثلاثة أشهر، بعدها بدأ الشطى فى الإخراج مباشرة.
كان مسلسل (شرباكة)، أول مسلسل يقوم بإخراجه فؤاد الشطى، من بطولة عبد الحسين عبد الرضا عام 1970. ثم تلاه بسهرة (الهجرة) ()، الذى نال عنها أول شهادة تقدير، لإدخاله الشكل الملحمى. كما قام أيضاً بإخراج وإعداد سيناريو وحوار برنامج (رسالة)، من تقديم سليمان الفهد. هذا بالإضافة إلى إخراجه الكثير من البرامج التلفزيونية، ومنها البرامج الثقافية والمنوعة.
وفى عام 1970، دعى وزير الإعلام معالى الشيخ صباح الأحمد، إلى اجتماع لمناقشة سوء الأوضاع، والحالة السيئة لوسائل الإعلام المرئية والمسموعة. وقد حضر هذا الاجتماع نخبة مُختارة من رجال الإذاعة والتلفزيون، بجانب مجموعة من صغار الموظفين، ومنهم كان فؤاد الشطى. وهذه المجموعة قد أبدت وجهة نظرها فيما طُرح من موضوعات فى هذا الاجتماع، فلاقت استحسان المجتمعين.
وعلى أثر هذا الاجتماع، قام الوزير بإصدار قرار بتشكيل لجنة عليا للإعلام فى الإذاعة والتلفزيون، لوضع خطة للتطوير والارتقاء بالعمل. وكانت المفاجأة أن ضمّ هذا التشكيل كلاً من : فؤاد الشطى، فيصل الضاحى، بدر بروسلى، كاظم القلاف، بجانب الوكيل المساعد لشئون الإذاعة الأستاذ عبد العزيز جعفر، وأيضاً مدير الإذاعة الأستاذ محمد المهنا، ومدير التلفزيون الأستاذ جواد حسونة، ومراقبى الأقسام الرئيسية بالتلفزيون والإذاعة. واستطاع الشطى وزملاؤه فى اجتماعات هذه اللجنة، مناظرة رؤسائهم، بآرائهم ووجهات نظرهم المنطقية.
وقد تزامنت هذه الفترة، مع عمل الشطى فى مجال المسرح، مما جعله مُطلعاً على أسراره، ومنها أن نجوم بعض الفرق كانوا مهيمنين على كافة أدوار البطولة فى الأعمال التلفزيونية، لدرجة أن الأدوار، كان يتم توزيعها من داخل شللية هذه الفرق المسرحية. وعندما لاحت الفرصة للشطى، قام بتحطيم هذه الهيمنة. فمثلاً أعطى دور البطولة فى مسلسل (شرباكة) للفنانة حياة الفهد. وبذلك جعلها تضيف جانباً كان خفياً فى مقدرتها الفنية، خصوصاً فى التلفزيون. فقبل هذا المسلسل كانت تأخذ أدواراً لا تليق بمكانتها الفنية، ولكن بعد هذا المسلسل، أو بعد إعادة اكتشافها تلفزيونياً، أخذت بطولة مسلسل (الحدباء)، من إخراج صلاح العورى. وقام الشطى بنفس الشىء مع سعاد حسين، وعلى المفيدى فى معظم البرامج الذى أخرجها، فى هذه الفترة.
ولم يقتصر اهتمام فؤاد الشطى - فى هذه الفترة - على المسلسلات التلفزيونية والإذاعية فقط، بل أخرج العديد من البرامج المنوعة والثقافية والخاصة أيضاً. فمثلاً أخرج برنامج (الشرطة فى خدمة الشعب)، مع اللواء خالد السعد. وبرنامج (الصحة للجميع)، مع د.حسن أبو غزالة، ود.عبد الرحمن العوضى، ود.محمود بستان. وهكذا توالت البرامج، مثل (مجالس العرب)، والبرامج الدينية، مع الشيخ أنور النورى، والشيخ على الجسار، والبرامج الرياضية. وكان الشطى أول مخرج يتابع سباق الخيل فى بدايته. هذا بالإضافة إلى إخراجه للمشاهد التمثيلية المصاحبة لبرنامج (رسالة) مع سليمان الفهد، وبرنامج (ركن المرأة) مع فاطمة حسين. حتى الأغانى المصورة، تطرق إلى إخراجها، ولكنه لم يتحمس لها.
وقد استفادة الشطى أثناء عمله بالتلفزيون، من المخرج نزار شرابى، وذلك من خلال حرصه على اللغة العربية الفصحى، خصوصاً فى الأعمال التاريخية. كما استفاد أيضاً من المخرج عادل صادق - الذى شاركه فى العديد من الأعمال، ومن أشهرها (الوجه الآخر) - وذلك من خلال استخدامه للتقنيات الإخراجية، خصوصاً تحريك الكاميرا أثناء رسم حركة الممثل التلفزيونى، ذلك التحريك الذى استفاد منه الشطى عند استخدامه لكاميرا السينما أثناء إخراجه لمشاهد بعض المسلسلات. أما استمتاع الشطى، فكان فى تعامله مع المخرج حمدى فريد، وبالأخص تعامله البسيط الهادىء للأعمال الكوميدية، وفنية تعامله مع الممثل.
أما استفادة الشطى من الإذاعة، فكانت من خلال تعامله مع قممها، أمثال : إسلام فارس، على الزفتاوى، أحمد سالم، مهند الأنصارى، خالد الرندى. هذا بالإضافة إلى استفادته من اشتراكه فى الأعمال الإذاعية الشعبية، مع : سليمان المنصور، عبد العزيز الفهد، منصور المنصور .. تلك الأسماء التى تركت بصمات واضحة فى أعماله الإذاعية، فى هذه الفترة.
بعثة إلـى أمريكا
فى منتصف الستينات بدأت وزارة الإعلام، إرسال موظفيها فى بعثات إلى أمريكا، للحصول على شهادات فى مختلف التخصصات الفنية. وكان من المبعوثين : محمد السنعوسى، رضا الفيلى، عبد الوهاب سلطان، بدر بروسلى، سعد الفرج، أحمد البقشى، فيصل الضاحى، بدر المضف. وفى عام 1971، تم ترشيح فؤاد الشطى، وحافظ عبد الرزاق للسفر فى بعثة علمية، إلى كلية كولومبيا بلوس أنجلوس بأمريكا. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة فى حياة الشطى، تنوعت بين الدراسة والثقافة والفنون.
بدأت هذه المرحلة بالتحاق الشطى بمدرسة تعليم اللغة الإنجليزية (E.L.S). وهى مدرسة خاصة لتعليم اللغة للأجانب، للالتحاق بالجامعة. وكانت هذه المدرسة تقوم باختبار المتقدمين، للوقوف على مستواهم من اللغة، وقد حصل الشطى على أضعف تقدير فى هذا الاختبار. لذلك اجتهد كى يرتقى باللغة، وذلك من خلال الاهتمام بدروس المدرسة، والمواظبة على مشاهدة إعلانات التلفزيون، حيث تكرار المفردات، وكتابتها بصورة واضحة.
هذا بالإضافة إلى صعلكته مع أصدقائه - فى الأجازة الأسبوعية - حيث كان يجوب معظم دروب ومواخير ومراقص وسينمات لوس أنجلوس. ومن خلال هذه الصعلكة انسابت اللغة. وهكذا تعرف الشطى على أغلب المفردات الإنجليزية بهذه الطريقة. وقد جنى ثمار هذا الأسلوب، عندما نجح فى المستوى الأول للغة، وقبل الالتحاق بالمستوى الثانى، فوجىء بتصعيده إلى المستوى الخامس مباشرة، وبالتالى اختصار فترة تعلم اللغة.
بعد اجتياز عقبة تعلم اللغة، التحق الشطى بكلية كولومبيا، وهى كلية خاصة لتخريج المتخصصين فى مجالى التلفزيون والسينما، مع دراسات مساندة عن المسرح نظرياً وعملياً. وكان التخصص الدقيق للشطى فيها (الإخراج التلفزيونى)، أما التخصص المساعد، فكان السينما. واختيار هذا الترتيب فى التخصص، لم يكن عفوياً، بل كان مقصوداً. فالشطى أساساً كان مُلماً بنواحٍ كثيرة فى مجال المسرح، تبعاً لدراسته فى معهد الدراسات المسرحية بالكويت. هذا بالإضافة إلى خبرته السابقة كعضو فى فرقة المسرح العربى. ومن هنا أراد الشطى الاستزادة من الفنون الأخرى.
وبالرغم من تعلم الشطى وزملائه أصول فنى التلفزيون والسينما فى الكويت، من خلال عملهم، إلا أنهم تعلموا الكثير عن الحرفيات الجديدة لهذين الفنين، خصوصاً الدقة فى التعامل، والتقطيع فى تجاربهم العملية. وأكثر ما أبهرهم، كان فن الإعلان وكيفية إنتاجه، والوصول إلى نتيجته وتأثيره على الجمهور، فى أقل عدد من الثوانى. هذا بالإضافة إلى استفادتهم من خلال تجاربهم فى نقل الأحداث بصورة حية.
وزيادة فى التحصيل، التحق الشطى وأصدقاؤه - رضا الفيلى، عبد الوهاب سلطان، سعد الفرج، بدر المضف، حافظ عبد الرزاق - بكلية (L.A.C.C)، وهى كلية صباحية، تنفق عليها حكومة لوس أنجلوس، وتعطى دبلوماً، يسبق مرحلة البكالوريوس. وبعد مرور عام من الالتحاق، وجد الشطى أن مواد الدراسة فى هذه الكلية، إذا تُرجمت، تتشابه، إلى حد كبير، مع مواد المرحلة المتوسطة فى الكويت، سواء فى جانبها النظرى أو العملى. ومن هنا لم يجد ذاته فى هذه الكلية، خصوصاً وأن كليته الأساسية (كولومبيا)، فتحت فصولاً جديدة، عبارة عن ورش عملية، وزيارات ميدانية فى تخصصه الدقيق، فالتحق بهذه الفصول، وانقطع عن الدراسة فى كلية (L.A.C.C).
استفاد الشطى من هذا الالتحاق استفادة كبيرة، خصوصاً تعامله والتصاقه مع الأستاذ (جورج براون). فلأول مرة يتعرف الشطى، من خلال هذا الرجل، على الورش الفنية، وما ينتج عنها من تعلم مهارات تفاعل الكل مع الكل فى العمل، ورسم الأدوار، ومهارة التحكم فى نبذ الذات، وكيفية عمل الفرد من أجل الجماعة، وعمل الجماعة من أجل الفرد، هذا بالإضافة إلى مهارة خلق الخيال وتنمية القدرات.
كما أتاحت ورش جورج براون للشطى، عدة زيارات ميدانية تطبيقية، تتبع فيها أسلوب وسائل الإعلام المختلفة فى تقصى الحقائق، ومتابعة الأحداث. ومنها زياراته للمرافق العامة، وأستوديوهات التلفزيون والسينما. فمثلاً كان الشطى يزور المحاكم للتعرف على عمل وسائل الإعلام فى تتبع سير القضايا العامة. وكذلك زياراته لأقسام الشرطة، واطلاعه على كيفية سير التحقيقات الصحفية فيها، التى تغطى الحوادث المختلفة.
وهكذا توالت زياراته إلى بقية الأماكن والمرافق، مثل : دور الإطفاء، المستشفيات، دار المسنين، المدارس. هذا بالإضافة إلى قيامه - من خلال هذه الورش - بعمل عدة مشاريع خاصة بالسينما، كالأفلام التسجيلية التى تتراوح ما بين الخمس دقائق، وربع الساعة، وإخراج نشرات الأخبار، والإعلانات المتنوعة، وبرامج الأطفال. وهذه المشاريع الناتجة عن التحاق الشطى بالورش، تجعلنا نقول : إن الأنشطة الحرة التى اكتسبها الشطى بذاته، كانت مُكملة لما تعلمه من دراسته الرسمية فى الجامعة.
وبسبب تعلق الشطى بأستاذه جورج براون، كان يتتبعه فى تنقلاته بين الكليات الأمريكية المختلفة. فبعد انتهاء فصول وورش كلية (كولومبيا)، انتقل الشطى مع عدنان صالح - الذى كان يدرس الهندسة والاقتصاد - إلى مدينة (باسادينا)، تلك المدينة التى تركت بصمات واضحة، على فكر وثقافة وفن فؤاد الشطى حتى الآن. وذلك من خلال زمالته الدراسية لإحدى الفتيات الأمريكيات، التى استطاعت أن تربطه بالحياة الفنية والثقافية.
هذه الفتاة كانت تدرس القانون فى جامعة (U.C.L.A)، بلوس أنجلوس. وكانت على درجة كبيرة من الذكاء وعشق الفنون والثقافات المختلفة. بالإضافة إلى اتصافها بصفات وأخلاق، تتشابه إلى حد كبير بصفات وأخلاق الشرق. وهذا الأمور كلها، كانت العامل المشترك بين الفتاة والشطى. لدرجة أن لقاءات فؤاد مع أصدقائه أصبحت قاصرة على المناسبات فقط، أما معظم الوقت فكان مُقسماً بين دراساته، وبين لقاءاته الفنية والثقافية مع هذه الفتاة. فكان يصطحبها إلى المسرح والسينما، وكانت تصطحبه إلى حفلات الأوبرا الموسيقية، والمعارض الفنية، والمتاحف.
ولشدة ارتباط الشطى بهذه الفتاة ثقافياً وفنياً، التحق بعدة مستويات دراسية فى الرسم، وتاريخ الفن. كما قرأ عن بعض المدارس الفنية، واقتنى الكثير من ألبومات الفنانين، وذلك بُغية التعرف على هوايتها، والتقرب إلى فكرها وثقافتها بصورة أكثر، حيث كانت رسامة. وقد رسمت له صورة، يحتفظ بها إلى الآن. وأيضاً من شدة ارتباط هذه الفتاة بالشطى، استطاعت بدورها دراسة بعض النصوص القرآنية، وتعاليم الدين الإسلامى، وذلك للتعرف على فتاها بصورة أكثر، أملاً فى التقرب إلى فكره وثقافته الشرقية والإسلامية.
ويشاء القدر أن يجمعهما - ثقافياً وفكرياً - أطول فترة ممكنة. وذلك عندما التحق الشطى بجامعة الفتاة، للاستفادة من جورج براون، الذى انتقل إلى جامعة الفتاة، لإعطاء ورشه العملية. فوجدها الشطى فرصة سانحة، للاستفادة من العلم والثقافة والفكر فى فترة واحدة. واستطاع الشطى أن يحصل على ثلاثة مستويات دراسية من جورج براون فى هذه الفترة، أسرعت بنجاحه وإنهاء بعثته. وهكذا عاد الشطى إلى أرض الوطن، تاركاً صديقته ().
وبعد العودة التحق الشطى بعمله فى التلفزيون الكويتى عام 1974، بعد أن حصل على شهادته من أمريكا. فحاول الأستاذ سعدون الجاسم، وكيل وزارة الإعلام، إقناعه بالعودة إلى أمريكا - مرة أخرى - للحصول على الماجستير. ولكن الشطى رفض الفكرة، وفضل البقاء فى الكويت، ليبدأ مرحلة إنتاجه الفنى التلفزيونى.
وفى هذه المرحلة أخرج الشطى أوبريت (والله زمن)، مع عبد الحسين عبد الرضا (). و(عندما تحترق الشموع)، تأليف هشام الحسيان، وبطولة خالد النفيسى، جوهر سالم، محمد المنيع، سعاد حسين، انتصار الزامل، يوسف الفارسى، حسين البدر (). وأنتج وأشرف على مسلسل (فتى الأحلام)، بطولة عبد الله الحبيل، كنعان حمد، جوهر سالم، خليل إسماعيل، أسمهان توفيق، إخراج حمدى فريد (). كما أخرج مسلسل (جزاء الخيانة)، تأليف حمدى عبد المقصود، وبطولة كنعان حمد، جوهر سالم، محمد المنيع (). ومسلسل (رحلة العمر)، عن الفنان عبد الله فضالة.
وفى هذه المرحلة، كان الشطى أول مخرج كويتى، يعمل فى مؤسسة الإنتاج البرامجى لدول الخليج العربية. وأيضاً كان أول مخرج تنفيذى لبرنامج (افتح يا سمسم). هذا بالإضافة إلى إخراجه مسلسل (دعاء الرسول) للشركة الكويتية للإنتاج الفنى. كما قام ببطولة مسلسل (المدينة الذهبية)، وهو مسلسل إذاعى للأطفال، كتب قصته راشد أمين، وأعده حسين البدر، وأخرجه محمد عيسى. وقام ببطولته - بجانب الشطى - جوهر سالم، كنعان حمد، سعاد حسين (). وبالرغم مما سبق إلا أنه من الصعب حصر الأعمال التلفزيونية والإذاعية التى اشترك فيها الشطى، وذلك لكثرتها، وتنوع جهوده فيها.
فرقة المسرح العربى
على الرغم أن هذا الكتاب، عن فؤاد الشطى، إلا أن الحديث عنه لا ينفصل عن فرقة المسرح العربى. تلك الفرقة التى ارتبط بها الشطى أكثر من 35 سنة، حتى الآن، كان فى معظمها رئيساً لمجلس إدارتها. وبالرغم من كثرة الكتابات التى كُتبت عن هذه الفرقة العريقية، إلا أن هناك وثائق ظلت مجهولة لسنوات كثيرة، لم يتطرق إليها أحد. ولا توجد فرصة أفضل من كتاب عن (فؤاد الشطى)، كى تظهر هذه الوثائق، وتوضع فى مكانها اللائق. لأنها وثائق لم تُنشر من قبل - فى أغلبها - وأيضاً لأنها تلقى بعض الضوء على كثير من الجوانب الخفية، لبدايات هذه الفرقة، التى تُعتبر من الفرق الرائدة، لا فى الكويت فحسب، بل وفى كافة الدولة العربية الخليجية.
زكى طليمات وتأسيس الفرقة
عندما بدأت الكويت تبنى نهضتها الفنية الحديثة، استطاع حمد الرجيب، مدير دائرة الشئون الاجتماعية والعمل - والتلميذ النجيب لزكى طليمات - أن يجتهد فى إيصال خبرة طليمات المسرحية، إلى رئيس دائرة الشئون الاجتماعية والعمل، معالى الشيخ صباح الأحمد الصباح، الذى أراد إدخال هذا الفن الجليل إلى أرض الكويت بصورة علمية، فأصدر فى نهاية عام 1957، أمره باستقدام زكى طليمات إلى الكويت لمدة ثلاثة أشهر، يضع خلالها تقريراً عن مظاهر النشاط الفنى بالكويت، وكيفية تدعيم هذه المظاهر والارتقاء بها. وبالفعل جاء طليمات وظل من يناير إلى مارس 1958، يبحث وينقب ويستكشف، وأخيراً أتمّ المهمة، التى تمثلت فى تقريره الشهير عام 1958().
وهذا التقرير، تضمن كافة النواحى الفنية، سواء الموجودة، أو التى ينبغى تواجدها فى دولة الكويت، يهمنا منها الحديث عن إنشاء فرقة مسرحية محترفة، وهى الفرقة التى ظهرت فيما بعد باسم (فرقة المسرح العربى). وعن هذا الأمر يقول طليمات، فى تقريره :
‘‘ من المعلوم أن هناك فارقاً بين إنتاج هواة التمثيل وبين إنتاج محترفيه .... ولهذا أقترح أن تؤلف فرقة محترفة .... يكون أعضاؤها للعمل الفنى الخالص .... والمسرح فى أى قطر من الأقطار العربية، يجب أن يتجه نحو دعم إحياء اللغة العربية وتطوير أساليبها، وشق آفاق جديدة لها فى التعبير، وإلا أتهم بالانحراف عن تحقيق هدف من الأهداف القومية العربية، فالواجب والحالة هذه أن يعنى المسئولون عن المسرح الكويتى بأن يكون للمسرحية المكتوبة بالعربية الفصحى مجال حيوى فى النشاط المسرحى، يتجاوز نطاق ما تقدمه الفرق المدرسية من مشاهد تمثيلية سقيمة البناء .... إلى الجمهور الكويتى نفسه .. وأنبه .... إلى وجوب الاهتمام بتقديم المسرحيات التاريخية التى تشيد بأمجاد العروبة، وتُحيى المُثل العُليا فى الخُلق العربى الأصيل .... إذن ليكن للكويت مسرح عربى فصيح يؤدى واجبه ’’ ().
هذه الكلمات كانت البذرة الأولى، التى غُرست فى أرض الكويت، لتثمر فيما بعد، شجرة باسقة، أُطلق عليها (فرقة المسرح العربى)، كأول فرقة مسرحية كويتية، تستند على سياسة مدروسة.
سافر زكى طليمات، بعد أن وضع تقريره. ومرت ثلاث سنوات، والمسئولون فى وزارة الشئون الاجتماعية يفحصون هذا التقرير، ومن ثم مهد طريق عودته - مرة أخرى إلى الكويت - تلميذه وصديقه ورفيق دربه، حمد الرجيب. ففى إبريل 1960، استدعت دائرة الشئون الاجتماعية والعمل بالكويت زكى طليمات، مرة أخرى، للإشراف على الحركة المسرحية الكويتية. ويتلقى طليمات هذا التكليف، فيصف لنا شعوره قبل الحضور إلى الكويت، وتكوين فرقة المسرح العربى، قائلاً :
‘‘ حينما كنت فى القاهرة أحزم حقائبى للقدوم إلى الكويت .... لأتولى أمر توجيه النشاط المسرحى .... وأرسى أسساً صحيحة فى فنون التمثيل .. كان تساؤل الناس يحوطنى من كل جانب .... ما عسى أن أفعل فى قُطر حديث العهد بالتحرر الاجتماعى كما تفهمه الحياة الحديثة، وبسفور المرأة خاصة .. والمعلوم إنه عسير كل العُسر أن تقوم قائمة للمسرح فى قُطر يحكمه الحفاظ والمحافظة .... كيف .... أعمل فى مسرح مازال الرجال فيه يقومون بأدوار النساء .... إنى رجل مسرح لا أرضى بأنصاف الحلول فى شئون الفن ! إزاء هذا كله، كنت واثـقاً من أننى سأحدث حدثاً، أقل ما ينتهى إليه، أن يضىء شمعة فى ظلام .. أن يرسى لبنة فى جدار .. أن يشق حقلاً جديداً فى قطاع المسرح الناشىء فى قُطر همّ يستكمل يقظته .... إن المسرح لم يقم فى قُطر عربى إلا وتكون قد سبقت قيامه يقظة هزته فى أوصاله وتمشت فى كيانه، ومن هنا انبثق حُسن ظنى فى الكويت المتفتح الناهض، ثم جاءت ثقتى فى أن تجربتى الفنية فيه ستكون مثمرة وخيرة ’’ ().
بهذا الحماس والإصرار والتفاؤل، حضر طليمات إلى الكويت، وبدأت جهوده الفنية فى تكوين فرقة المسرح العربى، بمساعدة حمد الرجيب، وذلك فى 10/10/1961، وهو التاريخ الرسمى لتأسيس الفرقة. وبعد التأسيس مباشرة، دوت أبواق الدعاية للفرقة الناشئة عن طريق بيان وزارة الشئون، أذاعه الراديو والتلفزيون، وتم نشره فى الصحف اليومية ().
وبعد عدة محاضرات ألقاها طليمات فى شأن المسرح وماهيته، تقدم 134 من هواة الفن - سواء من الكويتيين أو العرب المقيمين - ليعملوا بهذه الفرقة. وتكونت لجنة اختيار المتقدمين من : زكى طليمات المشرف الفنى العام، محمد همام الهاشمى الخبير الاجتماعى، محمد النشمى المشرف على رعاية الشباب. وقد تم اختيار المتقدمين فى صالة مسرح الفنون الشعبية، على مدار تسعة أيام من شهر نوفمبر 1961، بناءً على تقديرات اللجنة، والتى تمثلت فى : (جيد - فوق المتوسط - متوسط - دون المتوسط) ().
ورغم هذا الكم الكبير من الرجال المتقدمين، فلم تتقدم فتاة كويتية واحدة! واستغرق أمر اختيار الصالح من الرجال ثلاثة أسابيع. وفى أثناء هذه الفترة، تقدمت فتاتان كويتيتان، تعملان موظفتين فى وزارة الصحة، للالتحاق بالفرقة، هما مريم الصالح، ومريم الغضبان .. فعانق طليمات فى قدومهما الأمل فى نجاح مهمته، وآمن أن الكويت على أبواب تطور اجتماعى فى حياة المرأة، قائلاً : إن اسمى (مريم الصالح) و(مريم الغضبان) سيدخلان تاريخ المسرح الكويتى كرائدتين، وسيكونان دائماً على رأس القائمة لمن تليهما من الفتيات الكويتيات اللواتى سيؤلفن بنشاطهن الفنى نقطة انطلاق جديدة فى نشاط المرأة الكويتية ().
وفى 22/11/1961، أرسل طليمات تقريراً إلى وكيل الوزارة، بشأن استكمال تشكيل الهيكل العام لفرقة المسرح العربى، أبان فيه الخطوات السابقة لاختيار أعضاء الفرقة، حتى تم اختيار 44 متقدماً، سيمثلون النواة الأولى لأعضاء الفرقة. وقد رأت اللجنة ألا يقتصر الاختيار على هذا العدد، بل يُزاد حتى تُتاح الفرصة لأكبر عدد من تعلم فنون المسرح نظرياً وعملياً، بالإضافة إلى وجود احتياطى من الممثلين ضماناً لانتظام سير العمل، وأخيراً ليكون لكل ممثل فى دوره بالمسرحية (بديل) يقوم مكانه فى حالة تخلفه.
ويختتم طليمات هذا التقرير بقوله : ‘‘ فإذا نجحت هذه التجربة النجاح النسبى الذى يتفق والحقيقة القائمة، وهى أن هذه التجربة هى الأولى من نوعها فى الكويت، إذا تم هذا أُعيد تنظيم هذه الفرقة على وجه آخر، أهم ما فيه أن ينقطع أعضاء الفرقة للعمل بالمسرح، وأن يتوفروا عليه بكل وقتهم، إذ لا يخفى أن الأعضاء المُختارين بعد الاختبار، يشغلون وظائف فى الدوائر المختلفة أو فى مرافق أخرى لكسب العيش. إذا تم هذا، أصبح فن التمثيل مرفقاً حيوياً للاحتراف، وبهذا يدخل المسرح الكويتى المرحلة الحاسمة فى سبيل تأصيله وقيامه على الوجه الصحيح. فإذا وافقتم على ما تقدم ذكره، فسنبدأ التدريبات الأولى على مسرحية (صقر قريش) بما بين أيدينا من العناصر المُختارة ’’ ().
ويوافق وكيل الوزارة على ما جاء فى المذكرة. وبناءً على هذه الموافقة بدأت بروفات مسرحية (صقر قريش)، طوال ثلاثة أشهر، حتى تم عرضها فى 18/3/1962 على مسرح ثانوية الشويخ. وهى تأليف محمود تيمور، وإخراج زكى طليمات (). وإذا كانت مسرحية (صقر قريش)، أول مسرحية تُعرض من قبل الفرقة عام 1962، فهى فى الوقت نفسه، أول إعلان رسمى عنها. ومن غير المعقول أن تمر هذه المناسبة دون الحديث عن هذه الفرقة ونشأتها وسياستها. فتحت عنوان (المسرح العربى)، قال حمد الرجيب :
‘‘ إنشاء (المسرح العربى) إنما هو تتويج للجهود التى بذلها الشباب الكويتى من الأدباء وهواة المسرح فى سبيل قيام صرح لفن التمثيل باللسان العربى الفصيح وباللهجة الكويتية، بعد أن شملهم إحساس عميق بأن يعبروا عما تختلج به واعيتهم من شئون الحاضر وآمال المستقبل. ولم يكن عجباً أن يجرى هذا - بل العجب ألا يجرى - وقد تفتحت نوافذ فى الكويت، بدافع من نهضته الحديثة، لاستقبال الوافدات الغربية النافعة فى أحوال المعيشة وطرائق الاجتماع فى غير مبالغة أو تهور. ومنذ أن قامت وزارة الشئون الاجتماعية والعمل - وفى عنوانها ما يُنبىء عن مهامها - والمسرح يؤلف ناحية من شغلها ونشاطها .... واليوم إذ تقدم الوزارة (المسرح العربى) فإنها تضيف حلقة جديدة إلى حلقات سابقة، مستهدفة أن يصبح المسرح عاملاً من عوامل التوجيه الاجتماعى لكل بيئة وقطاع وأن يصير بحق أداة للتثقيف العام’’ ().
أما زكى طليمات، فقد كتب - فى هذه المناسبة - كلمة، قال فيها : ‘‘ ليس ترفاً ورفاهية قيام فرقة المسرح العربى، وإنما هو ضرورة ألزمها التطور العام .... بالكويت .... وبقيام هذه الفرقة التى ستقدم نفائس المسرحيات مما أخرجته الأقلام العربية والأوربية مُصاغاً فى أسلوب عربى فصيح، تنهض دلالات عدة، لكل منها مغزاها فهى تحكى، أن التطور العام أخذ يمتد إلى ما كان قائماً من مظاهر العرض التمثيلى لينقله من المحلية الكويتية الضيقة النطاق، إلى رحاب العالمية العربية وما وراءها، لاعتبار أن ما تقدمه هذه الفرقة بين المسرحيات التاريخية والمسرحيات المعاصرة، سيتجاوز مُلابسات الحياة الكويتية الخاصة، إلى تناول القيم الإنسانية العامة فى قطاعاتها الكبيرة .... وبتقديم المسرحيات التى تنشر صفحات زاهرة من التاريخ العربى وفق خطة مرسومة، تسهم الكويت فى إبراز مفاهيم العروبة الأصيلة، وفى إحياء أمجادها ومفاخرها، ابتغاء ربط الماضى المجيد، بالحاضر المتطلع إلى آفاق جديدة من مفاخر وأمجاد. وأن حقلاً جديداً سينفتح للأقلام الكويتية - إذ يمتد نشاطها بعد حين إلى كتابة المسرحية، وبهذا لن يتخلف الأدب الكويتى عن أن يكون فى المستوى الذى أستقر فيه الأدب العربى المستحدث، وقد أصبحت المسرحية مظهراً من مظاهره ’’ ().
وهكذا خرجت فرقة المسرح العربى - بمسرحية صقر قريش - إلى النور. تلك الفرقة التى أدخل فيها طليمات، ولأول مرة فى الكويت، العنصر النسائى! وبسبب اختلاط الجنسين فى الأعمال المسرحية، تلقى طليمات هجوماً شرساً، تبعاً للحياة الاجتماعية فى الكويت، فى تلك الفترة. ورغم هذا الهجوم الذى كاد أن يعصف بطليمات ويعصف أيضاً بالفرقة الوليدة، إلا أن المسئولين وقفوا بجانب طليمات، مما جعله يتحمس، ويتقدم بمذكرة إلى وكيل الوزارة بها اقتراحات عامة، تستهدف تنمية النشاط المسرحى، يهمنا منها ما يخص فرقة المسرح العربى، والتى تمثلت فى :
1 - احتراف التمثيل، ويكون بأن ينقطع للعمل بالفرقة بكل الوقت والجهد، الأشخاص الذين أثبتوا جدارة واضحة بأن يكونوا نهائياً لخدمة المسرح عن طريق الاحتراف. وقد كشفت التجربة الأولى عن وجود ما لا يقل عن خمسة عشر شاباً من الممثلين الكويتيين، وهؤلاء يصح نقلهم إلى وزارة الشئون الاجتماعية بنفس الدرجات التى يكونون عليها فى الوظائف التى يشغلونها بمختلف الوزارات. فإذا كان بينهم نفر من غير الموظفين الحكوميين، فيجرى تعيينهم، أو أن تصرف لهم مكافآت مقطوعة فى كل شهر.
2 - استقرار الفرقة فى دار خاصة بها، أى أن يكون للفرقة مسرح ثابت تُعرف الفرقة به، ويُعرف المسرح بها. وفى هذا المسرح تنتظم أعمالها الفنية والإدارية، كما يتضمن المكان مخازن للملابس والأثاث والمهمات ومرسماً لعمل المناظر .. إلخ، ومن حيث إن الوزارة فى صدد إعداد مسرحى (كيفان) و(الشامية)، فإنى أقترح أن يكون مسرح (كيفان) مخصصاً لمقام (فرقة المسرح العربى).
3 - التنويع فيما تقدمه الفرقة من مسرحيات، لذلك أرى ألا يقتصر ما تقدمه الفرقة على المسرحيات التاريخية المكتوبة باللسان الفصيح، بل تقدم أيضاً المسرحيات التى تعالج شئون الحاضر فى قيمه الإنسانية العامة وفى مشاكل المجتمع العربى - والكويت من المجتمع العربى - على أن تكون مكتوبة باللهجة الكويتية، وأن يُراعى فى اختيارها الخفة فى المعالجة والمنهج، والنزعة إلى الفكاهة من غير افتعال، ومن غير أن تسف إلى تملق الجانب الهابط فى الجمهور.
وبالفعل تمت مناقشة هذه الاقتراحات والموافقة عليها - من خلال لجنة مكونة من : حمد الرجيب، محمد عبد الله الفهد، محمد همام الهاشمى، زكى طليمات () - مما جعل الفرقة تقف على أرض صلبة، وتنطلق فى مسارها الصحيح. ففى 19/6/1962، وبمناسبة الاحتفال بعيد الاستقلال لدولة الكويت، عرضت الفرقة مسرحيتين لتوفيق الحكيم، هما (فاتها القطار)، و(عمارة المعلم كندوز)، وتم عرضهما على مسرح سينما الأندلس.
وتتوالى بعد ذلك عروض الفرقة، ويبدأ التحضير لموسمها الثانى، بمسرحية (أنا .. ابن جلا)، تأليف محمود تيمور، وتمثيل وإخراج زكى طليمات، وعُرضت على مسرح ثانوية الشويخ فى 20/12/1962.
وبصورة غير مسبوقة، تقدم الفرقة برنامجها الثانى لموسمها الثانى بثلاث مسرحيات فى برنامج واحد، وهى (المنقذة) لمحمود تيمور، و(استأرثونى وأنا حى) لسعد الفرج، و(فاتها القطار) لتوفيق الحكيم. وتم عرض هذا البرنامج ابتداء من 19/2/1963، على مسرح مركز ضاحية الشامية ().
وقبل بداية الموسم الثالث، يتقدم زكى طليمات بمقترحات جديدة لوكيل الوزارة، بشأن تنظيم أعمال الفرقة فى موسمها الثالث 63/1964، تمت مناقشتها فى 19/9/1963، من خلال لجنة مكونة من : حمد الرجيب، محمد عبد الله الفهد، زكى طليمات، وقررت ما يلى :
1 - تبدأ فرقة المسرح العربى موسمها بمسرحية (أبو دلامة) لباكثير، وتشترك فى تمثيلها الممثلة نعيمة وصفى، ثم تقديم مسرحية (مريض الوهم) وتشترك فيها الممثلة سناء جميل، وأخيراً مسرحية (مأساة جميلة) وتشترك فيها الممثلة عائدة عبد الجواد. وفى هذا الاشتراك من قبل ضيفات الشرف، ما يجذب الجماهير إلى حفلات الفرقة، ويكسبها طابعاً من الحرية والنزعة إلى التجديد.
2 - إعداد مسرحيات (طارق الأندلس) لمحمود تيمور، و(الكنز) لتوفيق الحكيم، و(آدم وحواء) لفتوح نشاطى، و(عفريت مراتى) لسليمان نجيب، بعد تكويتها أى كتابتها باللهجة الكويتية. وسيقوم بهذا العمل عبد الرحمن الضويحى عضو الفرقة. لتكون هذه المسرحيات مُعدَة للتقديم إذا ما تأخر تقديم إحدى المسرحيات الثلاث الأولى، أو بسبب تعذر حضور إحدى ضيفات الشرف.
3 - الإعلان عن حاجة الفرقة إلى وجوه جديدة، ومن تختاره اللجنة يُعين فى الوزارة. وأيضاً عرض الاحتراف على من سبق أن اعتذروا عن قبوله فى العام الماضى لخوفهم من عدم استقرار المسرح العربى. هذا بالإضافة إلى ترغيب الفتيات الكويتيات فى الالتحاق بالفرقة.
4 - إسناد بعض الوظائف الفنية إلى الأعضاء من الرجال المحترفين بالفرقة. وذلك لتحقيق الاكتفاء الذاتى للمسرح الكويتى من أبنائه. وقد تقرر أن يتدرب كل من هؤلاء الأعضاء تدريباً نظرياً وعملياً على إحدى النواحى الفنية التى يختارها. وهذه النواحى هى : الإشراف الإدارى على مسرح كيفان ()، والتنظيم المسرحى، والتلقين، وتخطيط الوجه. هذا ولن تسقط عن العضو المحترف صفة الممثل بقيامه بأعباء إحدى هذه النواحى، بل ستبقى له فرصة الاشتراك فى التمثيل بالمسرحيات التى تقدمها الفرقة.
5 - إنجاز مشروع المسرح المعدنى المتنقل، وذلك بإجراء تصميمات هذا المسرح بالاشتراك مع على نايف مهندس الاتصال بالوزارة، بحيث يتم إعداد خاماته قبل آخر ديسمبر 1963. والمسرح المذكور سيجرى تصميمه بحيث يُقام فى أى مكان، ويُطوى فى أقصر وقت، ثم يُحمل فى سيارات تجرى نقله. هذا مع وقائه بأهم الإمكانيات الفنية الخاصة بالإخراج المسرحى. وبهذا المسرح يمكن إقامة حفلات تمثيلية خارج دولة الكويت، فى الإمارات العربية التى لم تنشىء بعد دوراً للتمثيل ().
فؤاد الشطى عضو الفرقة
فى هذه الفترة كانت أخبار فرقة المسرح العربى تجوب الآفاق، وكان فؤاد الشطى يتتبع أخبارها، ويقرأ عنها، وعن محاضرات زكى طليمات، ويشاهد عروضها، خصوصاً (صقر قريش)، فى إحدى رحلات مدرسة الصديق المتوسطة. ولشدة تعلق الشطى بطليمات وفرقته، قرر الانضمام إليها فى بداية موسمها الثالث عام 1963، عندما بدأ طليمات قبول الدفعة الثالثة () من أعضاء الفرقة قبل عرض مسرحية (مضحك الخليفة).
ذهب الشطى إلى وزارة الشئون بمنطقة الوطية، وقابل حمد الرجيب، وسأله عن إجراءات الالتحاق بالفرقة، فأعطاه عنوان مقر الفرقة بعمارة أنوار الصباح. ذهب الشطى إلى المقر، وأنهى إجراءات الالتحاق، مع على كاظم الفهد، والأخوين قاسم وفخرى عودة. وبعد تقديم الأوراق ()، تسلم كل متقدم منهم مقطوعتين، الأولى من مسرحية (مصرع كليوباترا) لأحمد شوقى، والأخرى من مسرحية (صقر قريش).
وجاء موعد الاختبار، وكان الساعة الخامسة والنصف يوم 10/10/1963 بمسرح كيفان، وتقابل الشطى مع مجموعة من الأعضاء القدامى بالفرقة، أمثال جعفر المؤمن - الذى يعرفه من قبل لصداقته بأخيه عبد الكريم - والذى عرّفه بحسن يعقوب العلى، فأخذ الشطى يتبادل مع حسن الأحاديث الشيقة، فجذبه خُلقه وتواضعه وعلمه. كما تقابل أيضاً مع مجموعة من المتقدمين الجُدد، أمثال : جوهر سالم، كنعان حمد، صالح حمد.
تكونت لجنة القبول من : زكى طليمات، حمد الرجيب، محمد النشمى، محمد همام الهاشمى. وأثناء الاختبار كان كل متقدم، يُراجع المقطوعتين خلف الكواليس، وجاء الدور على الشطى، وبعد أن قابله طليمات، أثنى على رنين اسمه، وشكله الأنيق، وطوله الفارع، وسنه الصغير. وبدأ الشطى فى تقديم قطعة (مصرع كليوباترا)، وما أن تفوه ببدايتها، إلا وأوقفه طليمات، وطلب منه تقديم قطعة أخرى يرتجلها، بعد تجهيزها خلف الكواليس. وبالفعل تقدم الشطى مرة أخرى وقام ببعض الحركات الارتجالية بصورة كوميدية، مع بعض الجُمل غير المنضبطة، فسأله طليمات : هل قدمت أدواراً مسرحية فى المدرسة ؟ فذكر له الشطى أدواراً عديدة، وقدم منها بعض المقاطع، التى لاقت استحسان اللجنة.
وبعد مرور شهر، استلم الشطى خطاب قبوله، موقعاً من زكى طليمات. ومن ثم، حضر أول اجتماع للفرقة فى مسرح كيفان، أثناء بروفات مسرحية (مضحك الخليفة). وكان الوصول إلى هذا المسرح يمثل معناة شديدة للشطى، حيث يتطلب منه، أن يستقل حافلتين ذهاباً وإياباً، هذا بالإضافة إلى تكلفتهما الباهظة - 100 فلس - والشطى ما يزال طالباً فى المرحلة المتوسطة.
وصل الشطى إلى المسرح، وجلس بجوار المستجدين، وأخذ طليمات يوزع نسخ وأدوار المسرحية، وكان الاجتماع عبارة عن بروفة للقراءة. وجاء الدور على الشطى، فقرأ دوره، وأبدى طليمات ملاحظة له، تمثلت فى استفادة الفرقة منه فى أدوار معينة تبعاً لهيئته وطوله. وبعد مرور أسبوع واحد على هذه البروفات، قرر الشطى الانقطاع عن الفرقة. وذلك بسبب المعاناة الشديدة فى الذهاب والإياب، بالإضافة إلى أن نشاطه فى المسرح المدرسى، والأندية الصيفية سيتأثر سلباً إذا استمر كعضو فى فرقة المسرح العربى ().
ورغم انقطاع الشطى، إلا أن قافلة الفرقة سارت، وافتتحت موسمها الثالث بمسرحية (مضحك الخليفة)، تأليف على أحمد باكثير، وإخراج زكى طليمات، وعُرضت على مسرح كيفان ابتداءً من 30/11/1963 ().
أما البرنامج الثانى للموسم الثالث، فقدمت فيه الفرقة مسرحيتين فى برنامج واحد، هما : (آدم وحواء) اقتباس فتوح نشاطى، و(الكنز) لتوفيق الحكيم، وقام بإخراجهما زكى طليمات، وتم عرضهما على مسرح كيفان ابتداء من يوم 4/4/1964.
المسرح العربى فرقة أهلية
فى عام 1964، بدأ زكى طليمات التفكير الجدى، فى تحويل فرقة المسرح العربى، إلى فرقة أهلية. وهذا التفكير أخذ شكله التنفيذى من خلال أمرين. الأول، إرسال أول بعثة فنية كويتية مسرحية إلى مصر (). والثانى، تمثل فى مذكرة، تقدم بها إلى وكيل الوزارة. وهى عبارة عن تخطيط جديد على هدى تجربة المسرح العربى، يهمنا منها ما ذكره زكى طليمات عن فرقة المسرح العربى، ورغبته فى تحويلها إلى فرقة أهلية، قائلاً :
‘‘ .. إن هذه الفرقة بإمكانياتها القائمة .... وبإحجام أكثرية أعضاء الفرقة عن احتراف التمثيل والتخصيص له بكل الجهد والوقت، ثم بقلة إنتاج هذه الفرقة، لم تعد ذات موضوع فى الوقت الحاضر. إن فاعلية أية فرقة إنما تكمن فى وفرة إنتاجها .... ولكنه اتضح أنه لا سبيل إلى الزيادة فى الإنتاج .... والسبب معلوم وهو أن أعضاء الفرقة يعملون بالنهار وفى وظائف حكومية أو أهلية. والوجود الكويتى فى المسرحيات يكاد يكون معدوماً لأن الأقلام الكويتية لم تتمرس بكتابة المسرحيات على صعيد جيد، والجمهور الحديث العهد بالمسرح إنما يقبل على دور التمثيل ليرى أحداث بيئته ووجوه مجتمعه التى يعرفها، وقلما يعبأ بالقيم النفيسة العامة وبالعبر التاريخية .... إذا أخذنا كل ما تقدم بعين الاعتبار، فإننا نجد أنفسنا على مفرق طريق، وأمام حالتين. (الحالة الأولى) : أن يُعاد تشكيل فرقة المسرح العربى بشرط أن يحترف أعضاؤها ويتخصصون فيه ويتوفرون عليه بكل وقتهم .... (الحالة الأخرى) : أن يقف نشاط هذه الفرقة فى الوقت الحاضر، على أن يحل مكانها نشاط تبذله هيئات من هواة التمثيل فى الفرق الأهلية، على أن تحيطها الوزارة بالرعاية .... وفى حالة الأخذ بهذه الحالة، أرى أن تهيىء الوزارة لفرقة المسرح العربى الأسباب التى تتحول معها إلى فرقة أهلية بأن توضع لها نظاماً نموذجياً، من حيث الإدارة .... إذ فى هذه الفرقة تجتمع خلاصة هواة المسرح وقد تمرسوا بالعمل فى نطاق فنى سليم ’’ ().
وهكذا بدأت فرقة المسرح العربى مرحلة جديدة فى حياتها، وتحديداً فى 8/6/1964، عندما عُقد الاجتماع الأول للجمعية العمومية للفرقة، برئاسة زكى طليمات، وحضور كل من : نجم عبد الكريم، حسن يعقوب العلى، مريم الصالح، عدنان حسين، سعد الفرج، بالإضافة إلى محمد رجب، محمد عبد الحليم محمد كمراقبين.
وفى هذا الاجتماع تحدث طليمات عن جهود الفرقة السابقة، التى ساهمت فى تصحيح مفاهيم المسرح وفى تكوين الممثل تكويناً فنياً وعلمياً، بحيث أصبح بعض أعضاء الفرقة يقفون على قدم المساواة مع ممثلى القاهرة، وكل هذا يبشر بأن الممثل الكويتى سينتقل يوماً من المحيط الإقليمى إلى المحيط العالمى. ثم عرج طليمات على مبدأ احتراف التمثيل، وكيف أنه لم ينجح من الهواة ؟! وبهذا لم يعد مستطاعاً أن تقدم الفرقة أكثر من ثلاثة برامج فى الموسم الواحد، وهو إنتاج صغير لا يبرر قيام فرقة تحمل اسم وزارة الشئون الاجتماعية. وزاد من ركود العمل بالفرقة وقصوره، انفراط عقد النظام بين أعضاء الفرقة، وتحللهم من تحمل مسئولية العمل الذى يقومون به مختارين. ويعنى هذا أن المسرح العربى قد (تجمد) ولم يستطع أن يخطو خطوة جديدة، مادام يخضع للنظام القائم، وأنه لابد من مواجهة مرحلة جديدة، تتمثل فى :
1- أن تصبح (فرقة المسرح العربى) ()، فرقة أهلية من الهواة، وأن تحظى بإعانة مالية ورعاية وتوجيه من جانب الوزارة، وشأنها فى هذا شأن فرق الهواة. وعلى أن يتولى أعضاؤها قيادة أنفسهم، وتحمل مسئولية عملهم، وإحياء شرعية للنظام بينهم.
2- يكون لهذه الفرقة (موجه فنى)، له من الثقافة الفنية والأدبية ومن ممارسته فى فنون المسرح، ما يؤهله لتولى أمر توجيه هذه الفرقة وإخراج مسرحياتها.
3- إنشاء دراسات للتمثيل (معهد للتمثيل) تكون له دراسات مفيدة بشرط السن والمستوى التعليمى، ثم دراسة حرة يحضرها من يشاء ممن لا تتوافر فيهم الشروط السابقة الذكر ().
وبدأت الخطوات الفعلية لإشهار فرقة المسرح العربى، كفرقة أهلية، من خلال بنود لائحة العمل (النظام الأساسى)، التى وضعها طليمات ()، وأقرها جميع الأعضاء، فى اجتماع يوم الاثنين الموافق 15/6/1964. وأهم ما جاء فى هذه اللائحة :
أولاً : المسرح العربى، فرقة أهلية للتمثيل، ذات شخصية اعتبارية، تتألف فى الكثرة الغالبة من الشباب الكويتى.
ثانياً : رسالة الفرقة، هى العمل على إيجاد وعى أدبى ومسرحى سليم، بالمشاركة فى نشاط الحركة المسرحية نشاطاً يراعى فيه الارتقاء بفنون التمثيل ليكون للكويت الصاعد مسرح يماشى تطوره وتقدمه ويعكس حياته الاجتماعية. وتحقق الفرقة رسالتها بالوسائل الآتية :
1- تقديم مسرحيات جيدة، تقديماً يراعى فى إخراجها وفى أدائها التمسك بالقيم الفنية التى تعمل على تصحيح مفاهيم المسرح وإحياء تقاليد سليمة له.
2- تشجيع المسرحيات التى تنبع من البيئة الكويتية وتعالج مشكلاتها وتعمل على توجيه الرأى العام التوجيه المرغوب.
3- تقديم مسرحيات باللسان العربى، تتناول صفحات من التاريخ العربى، كما يعالج بعضها الآخر القيم الإنسانية والأوضاع الاجتماعية التى تكاد تكون واحدة، فى جوهرها، وذلك فى جميع الأقطار العربية.
4- إقامة محاضرات وندوات فى فنون المسرح وآدابه وإصدار نشرات فنية ().
ومن الجدير بالذكر، إن اللائحة ضمت بنداً خطيراً، ينص على :
‘‘ لا يجوز لعضو الفرقة أن يعمل فى فرقة تمثيلية أخرى إلا بإذن مكتوب من المجلس، وعلى شريطة ألا يتعارض عمله مع عمله بالفرقة، وبشرط ألا يقوم بدور تمثيلى’’. وخطورة هذا البند تتمثل فقط فى العنصر النسائى بالفرقة، حيث إن فرقة المسرح العربى - فى ذلك الوقت - كانت الفرقة الوحيدة التى تتمتع بوجود عناصر نسائية أربعة، تستعين بها الفرق المسرحية الأخرى! ولبحث هذه الإشكالية عُقد الاجتماع الأول لمؤسسى فرقة المسرح العربى فى 17/6/1964 ().
وبعد عدة اجتماعات، قدم مؤسسو الفرقة طلباً لوكيل وزارة الشئون الاجتماعية، ومن ثم إلى وكيل وزارة الداخلية، يطلبون إشهار الفرقة. وفى 15/7/1964، صدر قرار إشهار فرقة المسرح العربى كفرقة أهلية، تطبيقاً لأحكام القانون رقم 24 لسنة 1962. ().
بدأ المشوار الفنى لفرقة المسرح العربى - بهذا الاتجاه الجديد مع بداية الموسم الرابع فى عمر الفرقة عموماً، ومع بداية الموسم الأول لها - كفرقة أهلية فى 20/12/1964، عندما عرضت مسرحية (عشت وشفت) على مسرح كيفان. وهى من تأليف سعد الفرج، وإخراج حسين الصالح ().
وقد نجحت المسرحية نجاحاً كبيراً، جعل زكى طليمات يطمئن على أبنائه، مما دفعه ليكتب - فى يناير 1965، وبعد تمثيل هذه المسرحية مباشرة - مقالة تحت عنوان (نحو مسرح كويتى متكامل) (). وهى عبارة عن شهادة من قبل طليمات، تحدث فيها عن إسهاماته فى هذه الفرقة، وعن دور الفرقة بصورتها الجديدة، من خلال سواعد أبنائها فى إثراء المسرح الكويتى. وفى فبراير 1965، أرسل طليمات خطاباً إلى فرقة المسرح العربى، قال فيه :
‘‘.. والذى لا شك فيه أن أعضاء فرقة المسرح العربى ينزلون من نفسى المكان الأدنى إلى قلبى، وذلك بحكم هذه القرابة الروحية التى تجمع بينهم وبينى، وقد وقفت منهم موقف الوالد والأستاذ مدى ثلاث سنوات متتابعة، تبادلنا أثنائها أطيب ما فى نفوسنا. والذى لا شك فيه أيضاً أن أعضاء فرقة المسرح العربى هم عماد القطاع التمثيلى القائم بالكويت من المسرح إلى التلفزيون ’’ ().
واستمرت الفرقة فى طريقها كفرقة أهلية، مكتفية ذاتياً بجهود أبنائها من الكويتيين، فى معظم الأمور الأساسية لعروضها المسرحية. وقد جاء ختام الموسم الرابع فى عمرها كفرقة مسرحية، وموسمها الأول كفرقة أهلية، بمسرحية (اغنم زمانك) فى 3/7/1965، وعُرضت على مسرح كيفان. وهى من إخراج حسين الصالح، وتأليف عبد الحسين عبد الرضا ().
ويُعلق فؤاد الشطى - على هذه المرحلة من تاريخ فرقة المسرح العربى - قائلاً : ‘‘ فى الكويت، ومع بداية زكى طليمات، الذى جاء لتأسيس