بين التألق والإشراق

مقاربة لإنجازه المسرحي

 

 

بقلم: هيثم الخواجة

كاتب وباحث رئيس تحرير مجلة

 

يعيش المسرح العربي حالة من المد والجزر منذ الخمسينات وحتى الآن، ففي الوقت الذي كان فيه المسرح في بعض البلدان العربية يشهد ازدهاراً ملحوظاً كانت بعض البلدان العربية الأخرى في بداية تلمس ملامح هذا الفن.

ففي مصر – مثلاً – شهدت الخمسينات والستينات من القرن الماضي حركة مسرحية قوية على يد كتاب ومخرجين كان لهم دور فاعل في النهوض والارتقاء وتأصيل التجربة بهذا الفن على يد الكثيرين أمثال سعد أردش، وكرم مطاوع، وسمير العصفوري ومحمود دياب، ونعمان عاشور ونجيب سرور، وصلاح عبدالصبور، وفاروق جويدة وغيرهم. وفي سورية ظهر سعدالله ونوس، ورياض عصمت، وممدوح عدوان، وعبدالفتاح قلعه جي ومصطفى الحلاج وغيرهم، وقد تبنى العروض في مصر مسرح الجيب، والمسرح التجريبي ومسرح الهواة.

كما تبناها في سورية المسرح القومي، والمسرح العمالي، والمسرح الجامعي بالإضافة إلى الفرق المسرحية الأخرى وفي لبنان ظهر يعقوب شدراوي، وروجيه عساف ونضال أشقر، وجلال خوري...إلخ.

أما عن أسباب المد والجزر الذي شهدته الساحة المسرحية العربية فتعود إلى أمور عديدة من أهمها: عدم تبلور المدارس المسرحية على مستوى النقد والتأليف والإخراج، وظهور المخترعات الحديثة، وعدم ثبات الواقع الاقتصادي الذي جعل المنطقة العربية غير مستقرة في توجهاتها وسياقاتها وانتماءاتها.

هذه الأمور وغيرها خلخلت العلاقة بين المسرح والمتلقي الذي ابتعد عن هذا الفن لعدم قناعته ببعض العروض ولانشداده نحو المخترعات الحديثة وانزياحه نحو تطوير واقعة الاقتصادي وإذا أضفنا إلى ذلك تقلب المؤلفين والمخرجين في الانتماء إلى التيارات المسرحية والمدارس المسرحية ( الرمزية- الواقعية – البريختية (الملحمية))

وغيرها.. نجد أن المسرح العربي انتابته قفزات في تاريخه لانتقاله عبر المدارس وإهماله بعضها:

وللحق نقول: إن ذلك كله أثر على علاقة المسرح بالمتلقي؛ لأن المسرح العربي لم يستطيع بلورة تيارات عميقة في وجدان المتلقي، لكي ينشد إلى هذا الفن، ويرتبط به، إذ ما يكاد يعجب بعرض مسرحي أو أكثرـ حتى يخذل بعروض أخرى هابطة لاهدف لها سوى التهويم في الفراغ.

هذا وقد لعب مسرح الكروش، أو المسرح المهضم، دوره في تشويه صورة المسرح العربي، وتعميق الهوة بينه وبين الجمهور... والسؤال كيف نتخلص من حالة المد والجزر في مسرحنا؟ وإلى متى لا نهتم بهذا الفن (ولا أقصد البلدان جميعها، ولا الأشخاص كلهم)؟

إن طريق الخلاص واضح فإذا كان الاهتمام نوعياً جعل المد والجزر ينحسر فإننا وعندما نقدم تجارب مسرحية ذات سمات جادة وواعية نقضي كلياً على المد والجزر، ولهذا فإن أولى الخطوات الارتباط بالجذور العربية لفنوننا وتوظيف التراث من أجل الحاضر، والتطلع إلى المستقبل والبحث عن أساليب للتواصل مع المتلقي نابعة من الفن وتصب فيه، والاهتمام بالنقد ودوره في تحقيق مزيد من الارتقاء، وبذلك نمتن عرى العلاقة بيننا وبين المسرح الذي كان ومازال عنصراً مهماً من عناصر الحضارة، لكونه يلعب دوراً مؤثراً في حياة الأمم، وتعميق وعيها، وتطورها.

رؤيــــــــــــة

 الخطاب المسرحي وسؤال النقد

لا يوجد مسوغ مهم يمكن أن يقنع المسرحيين والجمهور على السواء بالهوة المصطنعة بين الخطاب المسرحي وسؤال النقد، ذلك لأن الخطاب المسرحي من مهماته الرئيسة والأساسية الإجابة عن سؤال النقد..

فهل المسرح العربي عامة والخليجي خاصة يجيب عن سؤال النقد؟

الحقيقة أنه لايمكن الإجابة بالمطلق نفياً أو إيجابياً، لأن بعض العروض المسرحية الخليجية أو العربية استطاعت بقوة أن تجيب عن سؤال النقد، ولأن غالبها راوح في المكان، ولم يقدر على ذلك لأسباب عديدة.

أما كيف يستطيع الخطاب المسرحي الإجابة فهنا موطن الشاهد، وهذا محور هذه الشهادة.. لقد اجتهد بعض المسرحيين من مؤلفين ومخرجين ليقدموا خطاباً مسرحياً يقنع الجمهور، لكن محاولاتهم باءت بالفشل لأمور عديدة، منها ضعف الإبداع في التأليف والإخراج، ومنها الاستهانة بفكر وذوق الجمهور، ومنها الميل إلى التهريج والنكتة، ومنها قلة فاعلية العرض ومعاصرته، ومنها الاتكاء على الماضي بقضه وقضيضه...إلخ

إن ابتسامة الجمهور في العرض، أو تصفيقه أحياناً لا يعنيان نجاح العرض، فالنجاح يؤخذ من الآراء المكثفة التي تعقب العرض، وتبين سلبياته وإيجابيات.. لقد كان (ديدرو) يتخفى على باب صالة العرض، وكان يستمع إلى تعليقات الجمهور عندما يخرج بعد مشاهدة العرض، ليستفيد من هذه التعليقات، وليعدل عرضه في اليوم التالي..

نعود إلى الخطاب المسرحي الذي يقرب المسافة بينه وبين سؤال النقد كلما اقترب من الالتزام بعناصر العرض ومن الجدية الحقيقية... أما عن أسلوب ذلك فهو أن تقدم فناً ضافياً يمزج بين دغدغة العقل والقلب معاً من خلال توازنات يفهمها المبدع بشكل جيد، ويتذوقها الجمهور بشكل كبير..

وهذا يعني أن الفكرة المسرحية يجب أن تكون عميقة متشظية، وأن المعالجة الإخراجية مبدعة بمستوى إبداع النص أو أكثر، ليكون البعض قادراً على تحريك الفكر والوجدان معاً..وهذا لا يتحقق بالسهولة التي يظنها البعض، لأن تحقيق ذلك يحتاج إلى صبرٍ وأناةٍ وتُؤدةٍ، وإلى وعي بقيمة الإبداع، إذ لافائدة من الاتكاء على الماضي دون النظر إلى المستقبل، ولا فائدة من التراث إذا لم يوظف توظيفاً مسرحياً دقيقاً، ولا فائدة من تداعيات الفكرة إذا لم تقنع المتلقي، ولا فائدة من الحشو الذي يلتهم الإبداع.. لابد للمخرج من أن يسمك بما يطرحه ليتحقق التناغم والانسجام. وهذا الأمر يقودنا إلى التكاملية في العرض المسرحي، ليورق الخطاب فيه، ويخضر، ذلك لأن التكاملية تمهد الطريق لالتقاء الخطاب مع سؤال النقد الذي يعني الكثير..

يعني ترسيخ الهوية في هذا الفن، ويعني تأصيل الدلالة فيه، ويعني أن المسرح إبداع فاعل في حياتنا، ومساهم جاد في حضارتنا وثقافتنا.

إن سؤال النقد يفرز حواراً مع الذات (الأنا) ومع الجمهور (النحن) ويخلق حركية مهمة في تعميق آلية الوعي والتفكير..

وهنا لابد أن نشير إلى أن ما تقدم ليس ضد أي تيار مسرحي أو مدرسة مسرحية.. إننا أمام عرض مسرحي، أي عرض مسرحي، ومن المفترض أن يكون خطابه مقنعاً للمتلقي ومندمجاً مع سؤال النقد الذي يمتلك حيويته الذاتية، ويسهم في رسم صورة المسرح من خلال قراءة دقيقة صحيحة تنعكس إيجاباً على الفعل الحياتي والجمهور وتؤثر في الارتقاء بمسارات هذا الفن ومستقبله..

المخرج فؤاد الشطي

        تعرفت إلى المسرحي فؤاد الشطي منذ عقدين من الزمان وما إن التقيته حتى أيقنت أنه تخرج من معطف الفن وأن الرجل الذي يقول كلمته منحازاً إلى الصراحة والعدل والحق..

        في بوحه دفء تظلله معان إنسانية لا يمكن للذي يقترب منه إلى أن يعجب بها وأن يقدر هذا الرجل الذي يعشق الفن والإنسان ويعيش من أجلهما.

وما يلفت النظر هو أنه يتماهى مع فنه بحيث لا تستطيع أن تفصل ما بين عطائه الفني وعطائه الإنساني، فحياته هي الفن المسرحي ومسرحه هو الحياة.

هذا ولم يصل المسرحي فؤاد الشطي إلى ما وصل إليه لولا إخلاصه لفن المسرح إخلاصاً تجاوز فيه العشق إذ لا يستطيع أحد أن يتحدث عن المسرح في الكويت دون أن يتوقف عند هذا المسرحي النوعي المتميز كما لا يستطيع أن يتحدث عن المسرح في الخليج العربي خاصة والوطن العربي عامة إلا ويتوقف عند مسرحه، ذلك لأنه أثر وتأثر، واستفاد وأفاد، فهو يصغي للنقد، ويهتم به بصدر رحب واسع، ويرى هذا النقد يشكل المرآة العاكسة لفنه ويؤمن بأن للنقد دوراً فاعلاً ومؤثراً في دفع مسيرة المسرح إلى الأمام.

وحتى لا يكون صورة مكررة عن غيره، فقد استطاع أن يصل إلى أسلوب في الإخراج يميزه عن غيره بحيث ما تكاد ترى العرض المسرحي حتى تتأكد بأن هذا العرض وراءه الفنان المسرحي والمبدع القدير فؤاد الشطي..

 

 

فما هي سمات أسلوبه الإخراجي وكيف تميز الشطي؟

        إن أول ما يفلت نظرك في عروضه المسرحية التي تصدى إلى إخراجها أن هذا المخرج لم ينشأ من فراغ وإنما عبَ من هذا الفن حتى الثمالة وأنه يريد أن يكون حالة مسرحية لا ظلاً مسرحياً ولا سحابة عابرة.

ودليلنا على ذلك انه يهتم في مسرحياته اهتماما كبيرا في المقدمات الإثارية لإيمانه بأن البرولوج هو الذي يضع المتلقي في صلب العرض ويظل مشدوداً إلى الخشبة، ولهذا فإن هذه المقدمات تأتي ممهدة للعرض وليست نافرة عنه.

ولو راجعنا أية مسرحية من مسرحياته لوجدنا أن البرولوج جزء لا يتجزأ من المسرحية وأن المخرج فؤاد الشطي اشتغل عليها بدقة متناهية سواء من حيث طرح الأسئلة أم من حيث المتعة البصرية أو الإثارة الذهنية.

وهو في مدرسته المسرحية يميل إلى الواقعية الفنية كقاعدة ينطلق من خلالها إلى عرض مليء بالإقناع، فهو يؤمن بأن المسرح جانب من جوانب الحياة وقد شعرت من خلال رؤيتي لعروضه المسرحية بأنه يشذب الزائد في هذه الحياة، ويبقي على المسرح ما هو موظف ولافت وماتع وبناء على ذلك فهو يعتمد الكتل في عرضه ويستند على المجاميع، ويسعى إلى المزج بين الغناء والتمثيل، ولعله بذلك يؤكد بأن المسرح ليس فكراً مجرداً خالياً من النبض وإنما هو ما يجري في الحياة فعلاً وغناءً، وبكاء، وأملاً، وحلماً وحياة بلا حدود.

  الشطي والفضاء المسرحي

        والشطي يهتم اهتماماً استثنائياً بالفضاء المسرحي، لأن لهذا الفضاء دوراً كبيراً في نجاح في العرض.

إذ يعد المخرج المسرحي المهندس الأول للفضاء المسرحي، لكونه يحدد طبيعته وموقعه ومساحته وأسلوب الحركة فيه، لأن المخرج -  ومن عمق خياله وإبداعه- يرسم صورة الفضاء في العرض، بما يتلاءم وماهية النص وحركة الممثل وبوحه في العرض.

ومن البديهي القول: ليس سهلاً صياغة الفضاء المسرحي، لأن هذا الفضاء يلعب دوراً مهماً في قوة العرض.. وما يؤسف له هو أن الكثيرين لا يهتمون بهذا الفضاء ناسين أو متناسين بأن للفضاء دوراً مهماً في سحر العرض وإقناع المتلقي، فبعضهم يستخدم عمق الخشبة ويهمل بقية الزوايا وبعضهم يستخدم مقدمتها ويمهل العمق، وبعضهم يستخدم زاوية اليمين ويهمل زاوية اليسار أو العكس مع أن الخشبة كلها للعرض وليس نصفها أو ربعها إلا إذا كان الأمر يتعلق بحل مسرحي أو توظيف ما...

إن المخرج المبدع فؤاد الشطي أسس إلى فضاء مدهش وجاذب فهو يدقق وبوعي بأهمية هذا الفضاء، ويسعى إلى ملئه حتى لا يشعر المتلقي بفراغ في رؤيته بالعرض..

ويعمل على إعادة تشكيل الفضاء متنقلا فيه من الواقعية الحرفية أو الفوتوغرافية إلى واقعية فنية إلى صياغة جديدة لافتة من خلال زرقة حياة ونبضاً خاصاً وتميزاً مثيراً لأسئلة الحياة، بعيداً عن التكلس والجمود والتقليدية والتكرار، دون إعطاء التصالحية مع الحرفية أي اهتمام، لأن إبعادها ونسخها يعني الدخول في الجدة والابتكار.

وهو يؤمن بأن البحث عن خلق جديد لفضاء متأهب ومتلون بألوان التنفس ومشتعل بالحياة والإدهاش هو غاية وهدف، لذلك يرفض – وبشدة- السكون والثبات في الفضاء، ويقاتل من أجل ألا يكون متحفاً للشمع أكل الدهر عليه وشرب..

وليس المقصود بملء الفضاء المسرحي حشره بالمجاميع أو الأثاث الفاخر،وإنما المقصود تجاوز المألوف إلى سحر خاص وإثارة وإدهاش.

يقول المخرج المسرحي جواد الأسدي:

" يمكن للفضاء المسرحي أن يبنى على الدم والهول فقط عندما يتعرض له مخرج ببصيرة ثابتة يرى في الحقيقة المادية الواقعية الخطر الماثل الذي يهددنا من كل صوب".

وإذا كنا نبحث – حقاً – عن تأصيل المسرح العربي، ونسعى للنهوض به، فلا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أهمية الفضاء منطلقين من واقعنا، وآخذين بالأهمية سمات النص وأبعاده وكنهه بحيث نرسم مفرادته بعيداً عن الجمود والهزل لكي لا يكون العرض مبتوراً ناقصاً.

قد يعترض البعض على هذا التوصيف لكونه يصب في إطار التنظير لا التطبيق العملي.. فنجيب عن هذا الاعتراض بالقول: إن التجربة هي المحك، وما تقدم من تنظير أساسه وعمدته التجربة المسرحية في العالم كله..

فالفضاء المسرحي الفارغ من النبض والمتكلس المتبذل يؤذي بصيرة المتلقي، ويؤثر على قناعته بالعرض، وعلى مشاعره أيضاً، إن فضاء الشطي جزء من مشهد العرض.. وأول ما يفعله المتلقي أنه يستنطق ويستقرئ صورة المشهد ببصره وبصيرته، وإذا لم يفجر هذا الفضاء عنده دلالات ما أو إشارات ما فإنه يشعر بالخذلان ويرتد إلى خياله الماضي أو تسيطر عليه الخيبة..

هذا ويعمد الشطي إلى التجزيء والتفكيك، ومن ثم التركيب ويمكن أن يكون العكس – وهو الأصح – يبدأ من النظرة الكلية إلى الجزئية... ويرى أن أكثر ما يسيء إلى الجمهور المبالغة في خلق ورسم الفضاء وصياغته، وأكثر ما يسره عندما يتلمس التناغم والانسجام بين الكلمة والفضاء..

ولأنه كان وما يزال دور الكلمة في النص المسرحي تحريك النبض ودغدغة المشاعر والفؤاد فإن صورة الفراغ عامل مهم في ترسيخ ذلك.. لأنها جزء من أبجدية العرض ومفرادته، وكلما كانت مبتكرة حققت أهدافها...ومن المفيد هنا الحديث عن التوازن، بحيث لا تتغلب الكلمة على الصورة، ولا الصورة على الكلمة للوصول إلى لغة عرض جديدة ومؤثرة لا تقليد فيها ولا تكرار..

وما يؤسف له هو أن الكثيرين لم يصلوا إلى مستوى العلاقة العميقة بين المخرج والفضاء، ولم يتجاوزوا المألوف إلى مرحلة الكشف في المشهد البصري لأسباب تتعلق بمحورية الرؤية أو فقر الإبداع أو غير ذلك..

إن الشطي يعمل على إعادة اكتشاف الفضاء باللون والصوت والرائحة والشخوص و...إلخ ليحقق إبداعاً مدماكه الواقع وأجواؤه مساحات من الكشف تثير وتدهش، ولهذا فإن مفرادت الفضاء المسرحي عنده لاتنشأ من فراغ، بل تتضافر عناصر العرض كلها في بلورته..

 

 

التشويق

ولا يغفل الشطي عن الاهتمام بأسلوب التشويق عبر قطع الطريق على الجمهور بحيث لا يتوقع الحدث القابل وعبر تقدم الشخوص جزئياً بحيث لا يدرك المتلقي أبعاد الشخصية بشكل كامل إلا في نهاية العرض.

وما يكرهه الشطي في عروضه هو الرتابة وبطء الإيقاع ولعل حيويته الإنسانية انعكست بشكل كبير على عروضه إذ لا تجد له عرضاً بارداً أو ساكناً فعروضه مفعمة بالحيوية والدفء ومليئة بالنبض.

ويستخدم في ذلك أساليب متعددة ومتنوعة ولا ينكر على نفسه الألاعيب المسرحية الفنية التي توصله إلى هدفه المنشود.. فعناصر العرض والمساعدات الفنية كلها يطوعها إلى أسلوبه الإخراجي

وهو لا يدير ظهره إلى الجمهور وإنما يحسب حسابه بكل ما يقوم به من فعل على الخشبة، ولهذا تجد حالة الانسجام واضحة إلى حد كبير بين ما يجري على الخشبة وبين الجمهور.

 الاحتفالية

ولايغيب عن المخرج فؤاد الشطي الاهتمام بالمسرح الاحتفالي إذ نجده في كثير من العروض يهتم بهذه الاحتفالية وهو لا يقيد نفسه بشكل مطلق بالواقعية الفنية، بل يحاول التجريب الواعي الموظف والمدروس وهذا الموضوع يتطابق مع أسلوبه الحياتي الذي تغلب عليه اللغة الحركية والديناميكية التي كثيرا ما أوصلته إلى حلول ناجحة في الحياة وعلى الخشبة أيضاً.

الممثل وكسر الجدار الرابع

في مسرحياته كسر للجدار الرابع وإعمالات جادة للربط بين الخشبة والمتلقي عبر الأسلوب الإخراجي والشغل على الممثل

فالشطي يكره الممثل أن يكون كتلة باردة جامدة مكلسة في عطائه على المسرح ولهذا يشتغل الشطي على لغة الجسد اشتغالاً بنيوياً عميقاً مما يجعل المشاهد يلحظ حيوية استثنائية عند الممثل وهو يتحرك على الخشبة ونلحظ أيضاً اهتماماً عميقاً بالفعل ورد الفعل والميزانينات التي تتناغم مع إيقاع العرض.

والشطي لا يكتفي بذلك بل يعتمد الثنائيات المتقابلة والمتضادة كما يغني عروضه بلمحات تراثية مثل ( الألعاب الشعبية – والأذان – والحكايات الشعبية وغير ذلك) لإيمانه بأن العودة إلى التراث يعني الهوية وأنه لابد من نبش هذا التراث والتقاط جوهره ومكنوناته والاستفادة منه من أجل الحاضر والمستقبل.

سر إخراج الشطي

إن سر الإخراج عند الشطي يكمن في اقتناص اللحظة الآسرة والاقتراب إلى حد التماهي مع الجدة والابتكار واعتماد الإنسانية في العرض كأساس يستند عليه حتى لكأنه يشكل (تيمة) لاتفارق أي عرض من عروضه.

ومن سمات أسلوبه الإخراجي أن يبدأ من التركيب إلى التفكيك ثم ينتقل إلى عكس ذلك عبر التكرار أو تغيير المكان واتجاهاته أو تلوين الموقف أو عبر بطل المسرحية أو جزء من الممثلين.

ولا يقبل الشطي بالحلول الوسطى في مدرسته الإخراجية لهذا نجده يركز على عفوية الأداء وجودته ويقدم جهداً نوعياً من أجل تفاصيل تخدم العرض دون أن يقدم تنازلات سواء في الإضاءة أم الديكور أم المكياج أم أي مساعد من المساعدات الفنية

        ومن الضروري هنا ان أشير إلى اهتمام الشطي بالخطاب العقلي والبصري فهو لا يترك الجمهور يتنفس وحده في صالة العرض فلا بد أن يشاركه في ذلك، ولهذا يبحث عن وسائل متعددة من أجل ذلك وتلك مهمة صعبة لا يقدر عليها إلا مخرج متميز وقادر.

        إن المسرحي فؤاد الشطي يعتبر النص المسرحي مدماك الإخراج ومستنده وهيكله الذي يجب أن يكسوه لحماً ودماً ونبضاً، ولكنه ليس كل شيء، ولذلك يعطي القراءة الإخراجية مساحة واسعة من الأهمية.

        لقد أخذ الشطي جانباً من جان جنيه وحافظ على رؤيته الخاصة من خلال معادل موضوعي يتطلع إلى الوسطية. فإن كان جان جينيه يعمد إلى إتلاف الكثير من مقومات ومفردات النص المسرحي، فإن الشطي يتلف ما هو زائد ولا يلائم رؤيته الإخراجية التي تتطلع إلى إبداع آخر للنص... إنه يتحرر من النص ولا يتحرر.. إنه المخرج الخلاق الذي يخضع نصه لمختبر رؤيته وإبداعه، ولهذا يقرأ النص قراءات متعددة بعضها يتعلق بمفاصله الرئيسة، وبعضها يتعلق بدلالاته وإشاراته ومرموزاته. إنه ينظر إلى النص على أنه مشروع من المتوجب أن يرى الحياة، ولهذا نجد خطابه الإخراجي خطاباً حيوياً وخطاباً خاضعاً للتجريب وملتصقاً بالمتخيل البصري والبصيري من أجل الوصول إلى جماليات ذات قيمة في العرض، ولها هاجس البعد الإنساني الذي يتوق دائماً إلى المتعة والسعادة.. وحتى يتوصل إلى ذلك يعمل على تفكيك النص وبيئته، ثم يعيد التشكيل على أسس واقعية بحتة تارة وافتراضية تارة أخرى مستمداً ذلك من إيمانه بضرورة مكاشفة الحياة وضرورة مجاهرة الذات ليبقى سؤال الفنان عميقاً وقائماً.

 حداثة الإخراج

        والسؤال هل الشطي مخرج حداثة وماذا نعني بالحداثة؟ إن الحداثة هي أن تقدم الجديد والمقنع... الجديد الذي يدعمه الفن، والمقنع الذي يعبر عن حلم الجماهير وتطلعاتها. وقد عمل الشطي من خلال هذا المفهوم على مدرسته الإخراجية وكان اجتهاده واعياً ومؤثراً وخير شاهد على ذلك مسرحياته التي يقرأ فيها المدقق أموراً كثيرة.. منها أن أسلوبه الإخراجي لا يعتمد وصفة جاهزة ولا ينطلق من المسلمات التقليدية لوظيفة المخرج وإنما يتعامل مع بوح النص ودلالاته وأهدافه دون أن يغيب سعيه اللائب إلى الوصول إلى مفاصل النص الرئيسة ليصل إلى فلسفة عرض تخص هندسته بأبعادها اللونية والكونية والإنسانية والفكرية و....و,,,,إلخ.

ولا يكتفي بذلك بل يعمل على استقطاب إشعاع هذا الفن الذي يضيء الروح الإنسانية من خلال أقانيم متعددة ومتنوعة.

ولا يتوقف الشطي عند هذه النقاط، بل يضيف إليها البحث الدؤوب عن اكتشاف الجوهري والإنساني في النص، ولهذا فإن عمله الإخراجي ينهض على تنحية التكرار والابتذال والاستسهال، ليظل الحضور قوياً وناضجاً. أعود لأقول إن حداثة الإخراج عند الشطي تستند إلى تحقيق الحلم من خلال تنوع الأساليب الفنية وإرضاء الجمهور لا بالنزول إلى مستويات هابطة وإنما بالارتقاء بهذا الجمهور إلى المستوى الفني المطروح.

 

الشطي الإداري والإنسان

        هل تستطيع أن تهبط مطار الكويت دون أن تتذكر أدباء وفنانين ومسرحيين رسموا بصمات متألقة بمكنة واقتدار ومنهم فؤاد الشطي، ذلك الإنسان الذي ما إن تلتقيه حتى تتأكد من ألقه الإنساني وشروق نفسه. وهنا لابد أن أشير إلى استحالة الفصل بين الفنان والإنسان، لأن الفنان الحقيقي هو إنسان حقيقي بكل ما تعنيه هذه الكلمة.

        والشطي فنان متمكن من فنه وهو إنسان تتشظى إنسانيته في النفس إلى الحد الذي يأسرك بمعانيها فتظل حائراً في أسلوب الوفاء حتى تغادر الكويت وطن الفن والثقافة والإنسان. وإذا كان الشطي قد تسنم مناصب عدة وأسس مسارح وفرق فهو في كل ذلك كان إدارياً متفوقاً ويشهد على ذلك تاريخه المجيد الذي لا يمكن حصره إلا بمجلد خاص يحكي حياته المديرة. فمنذ العام 1963 وهذا الفنان يعمل في الفرق المسرحية والتلفزيون والإدارات وخاصة في فرقة المسرح العربي كما ساهم في تأسيس الاتحاد العام للفنانين العرب واتحاد المسرحيين العرب واللجنة الدائمة للفرق المسرحية الأهلية في مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهو أحد مؤسسي الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية ومؤسس المركز الكويتي الإقليمي للهيئة العالمية للمسرح. وفاز بعدة جوائز، وشغل منصب مدير مهرجان الكويت المسرحي لثلاث دورات متتالية وشارك في ملتقيات ومهرجانات مسرحية عربية وعرضت مسرحياته في الوطن العربي وكرم أكثر من مرة وكل ما يمكن قوله الدعوة له بالصحة والعافية وطول العمر فهو رمز كويتي وعربي في المسرح ومجال فخرنا واعتزازنا

 

المراجع

مسرحية (نورة) تأليف جاسم الزايد إخراج فؤاد الشطي

مسرحية (دار) تأليف جماعي إخراج فؤاد الشطي

مسرحية ( القضبة خارج الملف) تأليف مصطفى الحلاج إخراج فؤاد الشطي

مسرحية (رحلة حنطلة) تأليف سعدالله ونوس إخراج فؤاد الشطي

مسرحية ( ها الشكل يا زعفران) فرقة مسرح الشارقة الوطني إخراج فؤاد الشطي

مسرحية ( طار الفيل) فرقة مسرح الشارقة الوطني إخراج فؤاد الشطي

مسرحية ( مراهق في الخمسين) فرقة مسرح الشارقة الوطني إخراج فؤاد الشطي

 

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com