رجل من الزمن الجميل
****
بقلم: فؤاد الشطي
إن الكتابة عن الرجل الذي نحن بصدد تكريمه من خلال الدورة السابعة لمهرجان الكويت المسرحي تستحق الوقوف والاهتمام ، فهو من صنف الرجال المميزين في تاريخ حركتنا المسرحية ، رجل تجاوزت عطاءاته رقعة الوطن الحبيب ، لتشمل كافة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، وتمتد إلى اليمن وبلدان عربية أخرى، رجل من زمن جميل عشناه وعايشناه نحن المحظوظين من أبناء جيل الستينات .. وكان ذاك زمن رواد عصر التنوير والتحديث في الكويت . ولأن الحديث عن هؤلاء يطول .. لذا سيتركز حديثي عن هذا الرجل الذي يتم اليوم تكريمه المستحق ... وهو حديث المحب لمن يستحقه ، هو حديث الاحترام لمن فرضه على كل من تعامل معه ، واقترب منه ، وهو الحديث عمن أعطى زهرة شبابه في سبيل خدمة الوطن ..
تعرفت عليه معرفة أولية إبان عملي بتلفزيون الكويت كمخرج ( المسمى الأولي مساعد مخرج ) حال تخرجي من معهد الدراسات المسرحية عام 1969 . وكان هو يتولى آنذاك رئاسة شعبة العمل والعمال ، وكانت سمعته الطيبة تصل أصداؤها لكافة العاملين بوزارة الإعلام ، وهو الذي يداوم قبل جميع الموظفين والعاملين وينصرف آخرهم ، وهي عادة لازمته في جميع مراحل عمله حتى لحظة تقاعده . وبعد ذلك أصبح رئيساً للقسم ذاته، في وقت كانت رئاسة القسم تعني الشيء الكثير ، وليس كما هو اليوم حيث المدراء والمراقبون كثر كثر . وفي عام تخرجي ذاك من معهد الدراسات المسرحية الذي كان تابعاً آنذاك لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ، انتقلت مؤسسة المسرح والفنون إلى وزارة الإعلام ليتم تسمية الأستاذ إبراهيم مبارك إسماعيل مشرفا إداريا وماليا للمعهد إلى جانب عمله الرئيس، حيث كان يعمل بالتعاون الوثيق مع الراحل الكبير الأستاذ أحمد مشاري العدواني ، الوكيل المساعد للشؤون الفنية بالوزارة آنذاك ، على تطوير المعهد والتخطيط لتحويله إلى معهد عال للفنون المسرحية، وهذا ما تحقق عام 1973 .. فكان الرجل يقسم وقته بين عمله الأساسي كرئيس لقسم الموظفين بوزارة الإعلام ، و الإشراف على معهد الدراسات المسرحية ومعهد الدراسات الموسيقية ، الذي أشرف على تأسيسه أصلاً ملحننا الرائع الكبير الأستاذ أحمد باقر .. وكان الأستاذ إبراهيم إسماعيل بالنسبة للطلبة والطالبات بمثابة الأب والأخ والراعي لكافة شؤونهم العلمية منها والشخصية ، وخاصة بالنسبة للدارسين والدارسات من خارج الكويت ، يتفقدهم في مقرات سكنهم التي كانت توفرها لهم وزارة الإعلام ، ويحل مشكلاتهم ـ كيف لا وهو الذي كان يكلف كل عام بزيارة هذه الدول التي جاؤوا منها ، مع مجموعة من الأساتذة الأفاضل في المعهد لإجراء اختبارات القبول للطلبة والطالبات ، فكان يحرص على كل ذي موهبة دون محاباة ، كما كان يذهب للقاهرة سنوياً للتعاقد مع خيرة العناصر الذين استقدمهم للتدريس بالمعهد العالي للفنون المسرحية ، وليترقى من خلال عمله الدؤوب الى مراقب وعضو في مجلسي إدارة المعهدين ، ومراقب للشئون الإدارية بوزارة الإعلام ، وليصبح بعد فترة وجيزة مديراً لهذه الدائرة وهو الإداري المخضرم ..وعندما تم استحداث إدارة المعاهد والفنون ، فضل العمل فيها على العمل في إدارة الشؤون الإدارية .. ولا غرابة ، فهو عاشق لكل ما هو جميل ، عاشق للفنون بشكل عام وفن المسرح بشكل خاص ..
لقد كان الصديق العزيز أبا الحكم كما كنا نحب أن نتخاطب معه متحيزاً للمسرح الجاد الرصين ، وكان يحثنا على العمل ، ولا يتخذ قراراً يخص الفنانين دون استشارتهم والرجوع إليهم ، دائم السؤال عن أوضاع الفرق المسرحية الأهلية ، كما كان وراء تأسيس اللجنة العليا للمسرح التي شكلت برئاسة وزير الإعلام ومجموعة من وكلاء الوزارات والمؤسسات ذات العلاقة بالمسرح . وكان من حسن طالعي أن أكون أول فنان مسرحي يضم إلى هذه اللجنة بصحبة الكبار من رجالات التنوير والتحديث . وكان الأستاذ ابراهيم اسماعيل من خلال عمله القوة الدافعة لنا نحن في الفرق المسرحية الأهلية للعمل في هذا المجال الصعب .. فازدهر المسرح في عصره ازدهاراً كبيراً بمساعدة وتفهم من الراحل الكبير الأستاذ حمد الرومي ، الوكيل المساعد للشؤون الفنية والنشر . وكان الأستاذ ابراهيم ، عندما يعجز عن تلبية أي مطلب لنا يصارحنا في ذلك ويوجهنا إلى من نلجأ إليه من المسؤولين ، ولا يكتفي بذلك بل تراه يبادر في التمهيد لتحقيق متطلباتنا لدى المسؤولين الأعلى منه.
وأذكر أننا في فرقة المسرح العربي عندما نسافر لتمثيل دولة الكويت كما حدث في العديد من المهرجانات المسرحية العريقة ، كنا نتمنى عليه أن يترأس الوفد ، لكنه كان يرفض ذلك. فمن طبع هذا الرجل أن يتوارى خلف أعماله ويصدر المبدعين مؤثرا إياهم على نفسه ، ولي معه العديد من المواقف التي تدل دلاله جلية على محبته وتقديره لمجهودات المخلصين من أبناء الحركة المسرحية .. لكن المجال لا يتسع لي لذكر كل الأشياء، وأنا الذي طلب إلي كتابة هذه الكلمات فيما أنا أشارك في فعاليات أيام الشارقة المسرحية ، ولم أعط الوقت الكافي لكتابة كل شيء .. وعزائي الوحيد أن معظم قيادات الحركة المسرحية الكويتية والخليجية هم من أبنائه الذين أحاطهم بحبه ورعايته ، وتتويجاً لجهوده جاء التقدير المتميز من أبنائه فناني دول مجلس التعاون لكي يكون الشخصية الخليجية الثانية التي تكرم من خلال مهرجان دول مجلس التعاون الخليجي في الدورة التي أقيمت في العاصمة القطرية، الدوحة ـ حيث كان شخصي المتواضع الشخصية المكرمة خليجياً في الدورة التي سبقتها، والتي أقيمت بسلطنة عمان ـ وليختار الأستاذ عبدالعزيز السريع لتكريمه في الدورة التالية والأخيرة التي أقيمت بدولة الإمارات العربية المتحدة .. حيث أننا لم نكرم ممثلين لدولتنا الحبيبة في ظل الجحود الذي يسود واقع مسرحنا الكويتي .. وليأت الآن هذا المهرجان بدورته السابعة موفقا باختياره في تكريم هذا الرجل المعطاء . فشكراً لإدارة مهرجان الكويت المسرحي السابع ، فالأستاذ ابراهيم اسماعيل يستحق كل التقدير والشكر على ما بذل وأعطى ..
وعذرا يا صديقي إذا كانت كلماتي عاجزة عن إيفائك حقك، وعزائي الوحيد بأنه ستكون لي عودة للحديث عنك في موقع آخر ، أنت يا ابن المسرح العربي الذي كسبناه أخاً كبيراً بعد تقاعده .
|