أحمد عبد الحليم
حليم وقدير
بقلم : فؤاد الشطي
الفنان والمعلم المسرحي الكبير أحمد عبدالحليم أحد أربعة أو خمسة مخرجين عرب في مصر الحبيبة ، الذين أسسوا للحركة المسرحية الحديثة في مصر الستينيات ، مع تفاوت زمني نسبي بين كل منهم والآخر ، من أمثال كهنة مخرجي مصر ( مع حفظ الألقاب لهم جميعاً ) سعد أردش وكرم مطاوع رحمه الله ، وجلال الشرقاوي ، وسمير العصفوري إبان عودتهم المتتالية من بعثاتهم الدراسية .
ولقد أسعدني الحظ بمشاهدة معظم أعمال هؤلاء جميعاً في تلك المرحلة ، وكان جو التنافس المسرحي الشريف والمحموم بينهم محفزاً لهم على العطاء والإبداع ، ولعل الاختلاف الوحيد الذي كان يتميز به الصديق الأستاذ أحمد عبدالحليم عن غيره أنه كان مخرجاً مسالماً وغير مؤدلج ، ولا يسنده في ذلك الوقت جوقة المؤدلجين من نقاد تلك المرحلة ، وإن كانوا لم يبخسوه حقه .
فإبداعه المسرحي كان يفرض نفسه على الجميع ، وكنت متابعاً لأعماله من دون معرفة إنسانية به حتى عند عودتي من بعثتي الدراسية في مطلع عام 1975 ، حيث كان يعمل ومجموعة من خيرة فناني مصر في المعهد العالي للفنون المسرحية ، ومن بينهم الأستاذ سعد أدردش والمرحوم الأستاذ كرم مطاوع والأستاذ المرحوم كمال ياسين وآخرون .
حينها توطدت علاقتي الإنسانية به بشكل كبير ، حيث جمعتني وإياه العديد من اللقاءات والمناسبات ، وكانت الساحة المسرحية في الكويت آنذاك ملتهبة وحامية بالتنافس الشديد من خلال الأعمال المسرحية . فكان المرحوم الفنان القدير صقر الرشود في أوج تألقه وإبداعه ، وفي الطرف الآخر كانت عطاءات أساتذة المعهد من خلال أعمالهم في إطار المسرحيات التي تقدم كمشاريع تخرج تشكل احتفالية بحد ذاتها ، كما كان تفاعل الأساتذة مع الفرق المسرحية الأهلية بإخراجهم بعض أعمال هذه الفرق عاملاً فاعلاً في تصعيد وتيرة وهج الأعمال المسرحية آنذاك .
وكنت في خضم هذه الحلبة التنافسية الشريفة من خلال الأعمال المسرحية التي تصديت لإخراجها ، وكانت حالة عامة تلك النقاشات التي كانت تدور بيننا جميعاً حول أعمال بعضنا التي نناقشها بعد العروض ، وكان الصديق والأخ الكبير الأستاذ أحمد عبدالحليم أحد هؤلاء الذين أتواصل معهم ، ويتواصلون معي في كل الأوقات .
وكان يحرص دائماً على أن أتواجد في عروضه حرصي على تواجده لحضور عروضي التي أخرجها ، وكذلك جمعتنا معاً مناسبات اجتماعية عديدة ، مما وطد العلاقة الإنسانية بيننا ، فكان في الكثير من الأوقات يزورني في مقر المسرح أو في المنزل لنتسامر حتى وقت متأخر من الليل ، أو أزوره في منزلـه للغرض ذاته .
وكان لا يتوانى في طلب بعض الإمكانيات الفنية في فرقة المسرح العربي للاستعانة بها في أعماله المسرحية فلا أتردد في تلبية ما كان يحتاج إليه .
وقد شرفت بالعمل معه كممثل وأنا المقل في بعض الأعمال الإذاعية ، وشرفت أيضاً بأن عمل معي كممثل هو والإعلامي والمخرج الإذاعي الكبير الأستاذ أحمد سالم في مسلسل ديني من إخراجي ، فكان الاثنان في قمة التواضع والتعاون والالتزام ، فخلقا أجواء عمل مريحة انعكست على جو العمل في المسلسل . وكنا حالما ننتهي من التصوير أذهب وإياه ومجموعة العاملين معي من مساعد مخرج وفنيين إلى مطعم لوجبة من الفول والفلافل .
وعندما شرفت بتكريمي في الدورة الثالثة في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي عام 1992 م كان هو الذي قدمني تقديماً مميزاً خلال الندوة التي خصصت لي قبيل تكريمي . وكان سخياً معي في مقدمته الرائعة هذه .
وقد كان بيني وبين الأستاذ أحمد عبدالحليم علاقة متميزة ، تسمح بأن يسر لي دائما بهمومه والمناكفات التي كان يتعرض لها في المعهد العالي للفنون المسرحية من قبل بعض الأساتذة الذين كانوا يستغلون طيبته وحلمه . وكنا عن طريق الحوارات نزيل ما أمكن من المنغصات والهموم ، وقد استمرت هذه العلاقة لسنوات .
والأستاذ أحمد عبدالحليم له في معظم العالم العربي أبناء وبنات هم من كبار الفنانين الآن ، الذين تخرجوا على يديه . وهو إنسان رقيق المشاعر ، مرهف الحس ، لا يخدش أحداً ، مسالماً حليماً ، وكثيراً ما يأتي على نفسه حتى لا يغضب الآخر .
وقد أعطى الكويت من فنة وإبداعه ربع قرن من العمل المتواصل ، وتواصل عطاؤه في المعهد ، ومدد له حتى حالت السن القانونية دون تمديد عقده مع أنه كان قادرا على العطاء لسنوات وسنوات . وكنت أشاهد جهده الكبير واللامحدود مع أبنائه من طلبة المعهد ، وكيف انعكس تأثير معلمهم الأستاذ أحمد عبدالحليم عليهم سلوكاً وفناً . وأحمد عبدالحليم صاحب طرفة وحديث لا يمل ، وإن كنت في كثير من الأحيان أمازحه مزحاً ثقيلاً ، لا يعكر الصفاء الذي بيننا .
ومن الذكريات التي لا أنساها تلك الذكرى الأليمة والطريفة في آن واحد ، عندما ألمت به وعكة صحية استلزمت إجراء عملية جراحية له ، فكنت والأخت الكريمة الصديقة د. نورية الرومي نزوره يومياً ، وكانت الفنانة القديرة عايدة عبدالعزيز ، زوجته ، تلازمه في المستشفى ، وكان هو مرعوباً خائفاً من العملية ، وكنت أحاول التخفيف عنه ، وذلك عن طريق مداعبة الأخت العزيزة الأستاذة عايدة عبدالعزيز شريف ، وفي ليلة العملية ، وبعد أن اطمأنيت من خلال الأطباء المشرفين على حالته ، ودعته على أمل أن ألتقيه صباحاً ، وقبل خروجي استوققني أبو شريف ( أحمد عبدالحليم ) ، فاقتربت منه، فأمكسني بكلتا يديه وقال : " ماتسيبنيش يا أبو أسامة " وأكدت له أنني سأوافيه في الفجر لاصطحابه إلى غرفة العمليات .
وفي الصباح الباكر تم إعداده للعملية وكنت معه فعلاً ومعي الأخت نورية الرومي ، وهو يرقد في مستشفى الصباح بينما العملية ستجرى في مركز حسين مكي جمعه للجراحة ، لكون غرفة عمليات مستشفى الصباح تحت الصيانة، فاصطحبنا الممرضين مرافقين الأستاذ أحمد إلى مركز حسين مكي، وهو لا يني يكرر : " ماتسيبنيش يا أبو أسامة ، ماتسبينيش "، حتى أدخلته مع بعض الأصدقاء هناك الى غرفة العمليات. وبعد أن انتهت العملية بسلامة وأدخل إلى غرفة الإنعاش ، كنت أقف إلى جانبه مرتدياً ملابس معقمة ، ولما فتح عينيه بعد التخدير فقال : " أنا فين ، أنا فين ؟ " فأجبته : " ماتخفش أنت في أمان، المدام عايدة مش هنا " . فابتسم ابتسامه وديعة هادئة ، واصطحبناه إلى الغرفة في المستشفى ، وبقي حتى من الله عليه بالشفاء .
وفي حفل وداعه الرسمي، بعد انتهاء خدماته في الكويت، كان لي الشرف بإلقاء كلمة بحق هذا الرجل الكبير الذي أعطى وأخلص لفنه ، وكنت دائماُ في حوارات معه أحرضه على ألا يهدر طاقته كممثل في العمل في الأعمال التلفزيونية والسينمائية متى توفرت له الفرصة ، وخاصة أنه كان مشروع نجم سينمائي قبل قدومه للكويت يوم قام ببطولة فيلم " يوميات نائب في الأرياف " .
وهذا ما هو يتحقق الآن على أرض الواقع ، إذ بدأ تدريجياً يأخذ موقعه الطبيعي في مجال التمثيل إلى جانب عطائه المتميز في مجال المسرح في السنوات الأخيرة .
إنني إذ أسجل هذه الكلمات القليلة بحق هذا الرجل الكبير بفنه وإنسانيته ، أجد نفسي مقصراً في ذكر الكثير من المشتركات التي تجمعني وإياه ، والكثير من الذكريات ، وكلما التقيته في مناسبة من المناسبات ، في مصر أو الكويت ، أو إحدى الدول العربية ، أشعر وكأنني لم أفارقه إلا للتو نظراً لأنه حاضر في القلب والوجدان دائماً .
حبيبي أبا شريف ، مبارك لكم تكريمكم في هذا اليوم ، وهو تكريم مستحق خططنا له منذ زمن طويل وجاء من ينفذ ما حلمنا به .