عبد العزيز السريع .. رجل من الزمن الجميل
بقلم : فؤاد الشطي
لم أفاجأ بالدعوة الكريمة من مؤسسة جائزة عبدالعزيز سعود البابطين للإبداع الشعري ، وعلى رأسها الأخ الكريم الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين نفسه ، بدعوتها لنا للمشاركة في الاحتفاء بتكريم مبدعنا العربي الكبير ، الأخ الحبيب الأستاذ عبدالعزيز السريع ، بمناسبة مرور عشر سنوات على توليه الأمانة العامة لهذه الجائزة المرموقة ، إذ امتزجت مشاعر عدة في داخلي فور تلقينا هذا التشريف .
الشعور الأول الذي أفرحنا هو أن تفكر المؤسسة ممثلة بشخص رئيسها وبالقائمين عليها برجل من صنف الرجال الذين نفاخر بهم الدنيا نحن الكويتيين ، عربيا ، ولا أبالغ إذا قلت عالميا أيضاً . وهي دلالة حضارية تسعد كل مبدع معطاء وتشعره بأهمية عطائه ، وبأن ما أسس له وأعطاه من خلاصة إبداعه وعلمه وجهده مقدر ومحسوس ويحسب له . فشكرا لهذه المؤسسة الكريمة على هذه اللفتة الطيبة التي أسعدتنا جميعاً .
والشعور الثاني الذي انتابني هو شعور الرهبة والخوف والوجل من أن تأتي شهادتي بهذا الرجل المتميز والمبدع والإنسان قاصرة عن إيفائه حقه من التقدير على الصعيدين الإنساني والإبداعي ، وخاصة أنه يمثل بالنسبة لي الأستاذ والأخ والصديق وزميل عمر أفنيناه في حب مشترك بيننا هو حبنا للمسرح وحمل هم الاشتغال به وله ، وما يرافق هذا من نجاحات تسعد المرء وترضي طموحاته وغروره ، ومن إنكسارات وإحباطات تعصف بجانب من عمره وتكدر أوقاته حزناً وألما على كل ما يخدش هذه الحركة المسرحية التي ارتباطنا بها وصل حد العشق والهوس الذي يلازمنا ليل نهار .
فالعلاقة التي تربطني بالأخ الأستاذ عبدالعزيز السريع حفظه الله تمتد إلى ما يناهز الأربعين عاماً ، تطورت من علاقة زمالة عادية تشكلت ملامحها الأولى صافية نقية في الذاكرة في منتصف الستينات .
يومها ولج إلى القاعة العلوية بمسرح كيفان ، حيث كنا طلبة في معهد الدراسات المسرحية ، بعد استئذان من معلمنا وأستاذنا الكبير الراحل زكي طليمات ، ثلاثة رجال : المرحوم الشاعر صالح جودت والكاتب الكبير الدكتور يوسف ادريس ، وشاب ثالث كنت عرفته من قبل ولكني لم ألتقه من قبل مباشرة إلا في ذلك اليوم ، وهو الأستاذ عبدالعزيز السريع الذي جاء مرافقا لضيفي الكويت الكبيرين .
وبعد ترحيب أستاذنا زكي طليمات بهم ، شرعنا بتجسيد مشهد مسرحي للضيوف ، كنت أحد أبطاله . وقد حاز المشهد على إعجاب الضيوف وأسعدنا ما قدموه من ثناء جميل عليه ، ما أكسبه قيمة ومعنى لنا .
وفي يوم آخر ، في رواق ذاك المسرح ذاته ، أتيح لي أن أتحدث مباشرة للمرة الأولى مع الأخ عبدالعزيز السريع ، حيث دعاني وأخي وصديقي الأستاذ عبدالمجيد قاسم ( عوعو ) للانضمام لفرقة مسرح الخليج العربي ، هذه الفرقة المسرحية اليافعة يومئذ ، والتي بدأت نشاطها المسرحي المتميز منذ انطلاقتها قبل سنتين من ذلك اللقاء .
وكان وراء رغبة الأخ الأستاذ عبدالعزيز السريع في انضمامي للفرقة العتيدة إعجابه بما شاهده من موهبة لدينا ، فجاءت كلمات الشكر لشخصه الكريم على إطرائه الجميل ودعوته الكريمة مشفوعة باعتذارنا له عن عدم إمكانية الانضمام لفرقة مسرح الخليج العربي لأننا كنا بالفعل أعضاء في فرقة عريقة أخرى هي فرقة المسرح العربي . فتفهم الموقف ، مقدراً روح الولاء ، ومتمنيا لنا مستقبلا باهرا في القادم من أيامنا .
وقبل هاتين المناسبتين على اللقاء المباشر بعزيزنا أبي منقذ كانت هناك معرفة مسبقة عن بعد من جانبي به وبدوره المنشط والمحرك في فرقة مسرح الخليج العربي ، ولو أنه كان يتوارى بنفسه خلف عمله الكبير هذا .
وكنت أوالي متابعاتي لكافة عروض الفرق المسرحية الأهلية الزميلة التي اكتمل عقدها بتأسيس فرقة المسرح الكويتي عام 1965 ، وإن كانت أعمال فرقتي المسرح الشعبي بقيادة الراحل الكبير عبدالرحمن الضويحي ، ومسرح الخليج العربي بقيادة الراحل الكبير صقر الرشود وتوأم عمره الفني عبدالعزيز السريع ، تشدني أكثر ، رغم احتفاظي بولائي واعتزازي بفرقة المسرح العربي التي أنتمي إليها .
ولم أفاجأ يوم أعلنت نتائج مسابقة التأليف المسرحي التي نظمتها وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل عندما فاز الأستاذ عبدالعزيز السريع بالجائزة الثانية عن المسرحية ذات الفصول الثلاثة " عنده شهادة " . وكان الفائز بالجائزة الثانية ذات الفصل الواحد أخي وصديقي وزميلي الأستاذ ( والدكتور فيما بعد ) حسن يعقوب العلي عن مسرحيته " وأشرقت الشمس " . أما الجائزة الأولى في تلك الدورة فقد حجبت . إذن ، لم يفاجئني الفوز الحق للأخ الصديق عبدالعزيز السريع بالجائزة ، لما أعلمه عنه من دأبه الدائم في الاطلاع على أمهات الكتب وإبحاره في قراءة كل ما يقع بين يديه من مسرحيات عالمية مترجمة ، ناهيك عن التصاقه الحي والمباشر بكافة رموزنا الأدبية والثقافية الكويتية ، وما تيسر له من أقرانهم في عالمنا العربي .
ولعل فهمه المختلف والمغاير لما يجب أن يكون عليه فن المسرح آنذاك كان متجاوزا لما كان سائدا ومتعارفا عليه في تلك المرحلة المبكرة من عمر الحركة المسرحية الكويتية الحديثة ، مواكبة للجديد والمتميز في الحركة المسرحية العربية بشكل خاص والمسرح العالمي بصفة عامة ، فانعكس هذا الثراء الثقافي الذي اكتسبه بجده واجتهاده على معظم عروض فرقة مسرح الخليج العربي ، سواء كان طرفا مباشراً في العمل أو لم يكن ، في النصوص التي ألفها بمفرده أو تلك التي شاركه بتأليفها صديق عمره ومشواره الفني صقر الرشود .
ولم يكن الأستاذ الكبير عبدالعزيز السريع مؤلفا مسرحياً حسبُ ، بل كان رجل المسرح الذي يقف ، ووقف وراء معظم أعمال مسرح الخليج العربي ، ممارساً دور ما اصطلح على تسميته في أدبيات المسرح " الدراما تورج " ، هذا إلى جانب الأعباء الإدارية التي كان يقوم بها داخل الفرقة كمشرف مالي ، ومديراً للإنتاج لسنوات طويلة ، ناهيك عن دوره في استقطاب كل ذي موهبة في مجال المسرح تأليفا وتمثيلاً وإخراجاً وتقنية وضمهم إلى صفوف فرقة مسرح الخليج العربي .
ولعل السنوات السبع الأولى في تاريخ فرقة مسرح الخليج العربي كانت الأصعب والأقسى ، لما تطلبته من مثابرة وصمود يصل إلى حد العناد بشأن ما يجب أن يكون عليه المسرح في ظل عزوف جماهيري عن عروضهـم المسرحية ، قياسا بعروض فرقتي المسرح العربي والمسرح الشعبي ذات الجماهيرية العريضة ، حتى بدأت بشائر الصبر والجد والاجتهاد تؤتي أكلها ، فكانت مسرحية " ضاع الديك " التي ألفها الصديق العزيز عبدالعزيز السريع بداية عصر جديد لفرقة مسرح الخليج العربي ، حيث فاقت نجاحاتها الجماهيرية كل تصور . وتبع ذلك نجاحات أخرى للفرقة تجاوزت سابقاتها من المسرحيات التي شارك في تأليفها رفيق دربه صقر الرشود مثل مسرحية " شياطين ليلة الجمعة " و" بحمدون المحطة " ومسرحية " 1 ، 2 ، 3 ، 4 ، بُم " وغيرهـا من مسرحيات ، ناهيك عن جهده الواضح ودوره المتميز في توحيد جهود كافة الفرق المسرحية الأهلية من خلال موقعه كمراقب في إدارة الثقافة والفنون بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، أثمرت عن توحيد هذه الفرق في إطار فرقة مسرحية مؤقته أطلق عليها اسم " فرقة المسرح الأهلي " التي قدمت الرائعة المسرحية " علي جناح التبريزي وتابعه قفة " للكاتب الكبير ألفريد فرج ، وإخراج المبدع الراحل صقر الرشود ، وهي المسرحية التي حققت للكويت نجاحات عربية لم يسبق لها مثيل خلال إحدى دورات مهرجان دمشق المسرحي ، ومن ثم حين جالت هذه المسرحية في العديد من العواصم العربية . ومن بعد ، كان الأستاذ عبدالعزيز السريع وراء تزكية المسرحية العربية الرائعة " حفلة على الخازوق " لكاتبها الكبير محفوظ عبدالرحمن ، لفرقة مسرح الخليج العربي ومبدعها صقر الرشود ، ولتفتح هذه المسرحية أبواب انطلاقة مؤلفنا الكبير محفوظ إلى عوالم الشهرة ككاتب مسرحي مرموق .
وقد توالى عطاؤه اللامحدود في فرقة مسرح الخليج العربي من نجاحات إلى نجاحات أكبر ، وتزامنت عطاءات فترة الستينات بإصراره وتوأم روحه صقر الرشود على استكمال تحصيلهما العلمي ، فأنهيا دراسة المرحلة الثانوية ، ثم الجامعية ، حيث تخصص الأستاذ عبدالعزيز السريع في الأدب العربي بينما تخصص الرشود بالسياسة والاقتصاد .
وخلال مشوارهما الطويل في العطاء المسرحي المتميز مارس صديقنا الحبيب عبدالعزيز السريع الكتابة في مجالات أخرى ، في القصة القصيرة والمقالة الأدبية والدراما الإذاعية والدراما التلفزيونية ، وقدم فيها أعمالا ما تزال في ذاكرة مستمعيها ومشاهديها . كما أنه تبوأ رئاسة قسم التمثيليات في تلفزيون الكويت بين عامي 1972 – 1974 ، حيث نشط هذا القطاع بكم نوعي من أعمال الدراما التلفزيونية ، حتى جاءت اللحظة التي قبل فيها الراحل الكبير صقر الرشود العرض الذي قدمته له دولة الإمارات العربية المتحدة في منتصف السبعينات للعمل كخبير في المسرح هناك على مضض ، نتيجة الحملة الشرسة التي ولدتها الغيرة الحمقاء عليه في الكويت بسبب نجاحاته ، ونتيجة للهزات التي تعرضت لها فرقة مسرح الخليج العربي وفتور همة بعض أعضائه ، مما أشعر صديقنا صقر الرشود يومها بأهمية الانتقال بهمة المسرحي إلى بقعة أخرى من أرضنا العربية ليحرثها ويزرعها حبا بالمسرح . فكانت هجرته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة الخطوة التي أصابت صاحبنا عبدالعزيز السريع بالصدمة ، لتتبعها الصدمة الأعنف برحيل صقر الرشود بعد سنة أو أكثر بقليل أثر حادي مروري مؤسف أودى بحياته ، وكان هذا الرحيل المفاجئ صدمة زلزلت أعماق صديقنا الحبيب عبدالعزيز السريع وجعلته في ألم مقيم . فانكفأ على نفسه حزناً وكمداً على صديق عمره ورفيق دربه الإبداعي . وعمل جاهداً لتخليد ذكرى هذا الصديق بتنظيم حفل تأبين كبير له ، وإقامة ملتقيات تحمل اسم الراحل ، كان نتاجها مجموعة من الدراسات القيمة عن سيرة الراحل وإبداعاته المسرحية ، فكان مثالا للوفاء والإخلاص والعطاء . وظل الحزن العميق على فقده صديقه خزين أعماقه ، وهو الذي ما تعود البوح بعواطفه بشكل معلن .
إلا أن أثر هذا الحزن الدفين انعكس عزوفاً منه عن الكتابة للمسرح أو في أي مجال إبداعي آخر ، وإن حاول أن يلملم أوصال فرقة مسرح الخليج العربي من خلال تحمله المسؤولية الإدارية المباشرة برئاسته مجلس إدارتها ، سعيا منه إلى إعادة الفرقة إلى سابق مجدها وألقها ، دافعاً الشباب للعمل . ولكن هيهات لمبدع متفرد أن يؤلف بين القلوب التي تشتت ، حيث انتصر الهم الشخصي لغالبية الأعضاء على إرادة الفعل الجماعي الواجب أن تتغلب على المصلحة الفردية في ظل غزارة الإنتاج الدرامي والإذاعي في تلك المرحلة ، وتسرب معظم أعضاء الفرقة بغرض إنشاء كيانات مسرحية خاصة بهم على غرار ما كان سائداً في تلك المرحلة . ولكن بتواجد الأستاذ عبدالعزيز السريع على رأس الفرقة حافظ على رصانة إرثها الإبداعي من خلال بعض العروض المسرحية التي كانت تقدم بين فترة وأخرى .
وطوال الأعوام التي ذكرتها في مقدمة كلمتي بإيجاز لأعمال الأستاذ عبدالعزيز السريع حتى وفاة المرحوم صقر الرشود ، لم تتجاوز علاقتي الإنسانية به حدود المجاملة والتهنئة بالأعمال التي تقدمها فرقتانا ، واللقاء في المناسبات والأعياد في إطار السنة الحميدة التي كانت سائدة آنذاك بتواصل أعضاء الفرق المسرحية الأهلية مع بعضهم بعضا في مناسبات كهذه ، صاماً أذني عن الكثير من اللغط والافتراءات التي كانت تلصق بالأخ الصديق عبدالعزيز السريع ، من أنه كذا وكذا ، لأنني لمن تعرف علي عن قرب لست من النوع الذي يحكم على الناس من خلال الأقاويل المرسلة للبعض في وسط كثيرا ما تكون فيه نجاحات البعض مصدر سخط عليهم من الآخرين ، بعيداً عن روح التنافس الشريف .
وخلال مرحلة أواخر السبعينات وحتى منتصف الثمانينات ازداد التصاقي المباشر معه بحكم موقعي في قيادة المسرح العربي وموقعه في قيادة مسرح الخليج العربي . وكانت اللحمة بيني وبيه تتقارب أكثر وأكثر مدعومة بالحوارات المعمقة حول همومنا المسرحية بشكل عام والمسرح كفن بشكل خاص . فاكتشفت أننا متقاربان إذا لم أقل أننا في حالة من التطابق في فهمنا المشترك لما يجب أن يكون عليه المسرح ، إلى جانب ما يجمعنا معاً من المواقف المبدئية المشتركة في الكثير من القضايا القومية والثقافية . وترسخ ذلك من خلال صحبة السفر التي جمعتني وإياه في العديد من الدول العربية وغيرها ، حيث كانت تتواصل حواراتنا الثنائية والحوارات العامة التي تجمعنا بأصدقائنا المشتركين من الفنانين والمثقفين العرب . فكان هو طريقي لاكتساب مزيد من الصداقات لأسماء لامعة من الفنانين والمثقفين في محيطنا العربي ، وأتمنى أن أكون كذلك بالنسبة له .
ولعل من فوائد السفر كذلك لنا إتاحة الفرصة لكل منا لاكتشاف كل منا الجوانب الإنسانية الحقة للآخر ، إذ أن معادن الرجال تتكشف على حقيقتها ، وتسقط الأقنعة التي يتخفى خلفها البعض في حياته اليومية . والأستاذ عبدالعزيز السريع من النوع الذي يحكم عقله إلى درجة يتراءى للبعض الذي لم يقترب منه بأنه شخص يظهر غير ما يبطن ، وأنه يتذاكى على الآخرين ، لمظهـره وسلوكه ، وبأن الجدية التي تبدو عليه هي الأصل ، وان حرصه على الصرف المادي المقنن بخل متأصل فيه ، وان مصلحته الذاتية تأتي في سلم أولوياته انطلاقا من الشعور بتضخم ذاته ، وأن لا صديق له بل تحكمه مصلحته الخاصة .
وكان كل ذلك نتاج ما سمعته عنه من الكثيرين الذين لم يقتربوا من هذا الرجل ، وإنما حكموا عليه ظلماً ومن بعيد ، لأكتشـف فيه عكس كل هذه الأشياء . فهو صديق صدوق ، ذو طرفة ودعابة وملاحة في القول ، كريم سخي مع أصدقائه ومع كل ذي حاجة حقيقية ، يؤثر الآخرين على نفسه ، ويتفجر بالمشاعر الإنسانية الصادقة الفياضة التي يسبغها على أصدقائه دون منة أو تقتير . أحاديثه وحكاياته إبحار في عوالم من المتعة والمعلومة المفيدة .
كل ذلك دون تخليه عن كياسته ودقته وحصافته وذكائه في تطويع الأمور لخدمة القضايا التي من أجلها نعمل . ومن خلال كل هذه المزايا والصفات توطدت العلاقات الإنسانية معه شخصيا والعائلية بشكل عام ، حتى أصبح من النادر أن يمر يومان دون أن نتهاتف على الأقل مرة أو أن نلتقي .
ولعل من حسن الطالع بالنسبة لي أن تكون عودته إلى عالم المسرح من خلال عمل أعده للكاتب العالمي آرثر ميللر ، وهى مسرحية (الثمن) التي شرفت بإخراجها لكي تقدم باسم الكويت في الدورة الأولى لمهرجان مجلس التعاون لدول الخليج العربية ، الذي عملنا على تأسيسه من قبل سوية مع بعض الأخوة الفنانين في دول الخليج العربية . كما زاملته في اللجنة العليا المنظمة لهذا المهرجان ، حيث كنت رئيسا للجنة الفنية ، وكان هو رئيسا للجنة الندوات . وكانت المسرحية قد لاقت الكثير من الاستحسان والتقدير والإعجاب لدى كافة الذين شاهدوها ، وعلى الأخص الكتاب والنقاد المسرحيين العرب الذين كتبوا وأثنوا عليها ثناء بالغاً . وكانت إحدى أروع ما مثل الفنان القديـر إبراهيم الصلال ، والفنانة القديرة سعاد حسين ، والفنان القدير كنعان حمد ، والفنان القدير جاسم النبهان . وعندما قررنا لاحقا عرضها جماهيريا لم تأخذ حقها من العروض الجماهيرية ( إذ تصادف موعد عرضها مع محنة اختطاف الطائرة الجابرية ، ولغياب الدعاية والإعلان ).
كما ساهمنا مع أصدقاء وزملاء لنا في الحركة المسرحية الكويتية في تأسيس الاتحاد العام للفنانين العرب ، والاتحاد العام للمسرحيين العرب . وفي كل هذه المواقع كان يدفعني ويؤازرني لكي تتبوأ دولة الكويت مكانة قيادية في هذه المنظمات العربية ممثلة بشخصي .
وكانت لنا جولاتنا المشتركة في العديد من المحافل العربية والدولية ، ضيوفا ومحاضرين ومشاركين في الندوات الفكرية لهذه المهرجانات والمحافل . وكان لأخي وزميلي عبدالعزيز السريع دور فاعل في تبني مجلس الوزراء الموقر ، عن طريق المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، إنتاج المسرحية العربية المشتركة التي كلفت شخصيا من قبل الاتحاد العام للفنانين العرب والاتحاد العام للمسرحيين العرب بإخراجها ، والتي جاء خصيصا إلى الكويت لتأليفها الأخ والصديق الكاتب الكبير بوول شاؤول ، والتي أسميناها " مسرحية عربية " . وكان المفترض أن يشارك بها فنانون من كافة الدول العربية إلى جانب فنانينا الكويتيين ، على أن تفتح عروضها تحت الرعاية السامية لسمو ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الموقر الشيخ / سعد العبدالله السالم الصباح الموقر في الأول من أكتوبر عام 1990 ، حيث تمت كافة الاستعدادات للشروع بتدريبات العمل . ولكن القدر كان لنا بالمرصاد ، حيث كان من المفترض أن تبدأ البروفات في العاشر من أغسطس عام 1990 . وقد سافر الصديق العزيز أبو منقذ يوم الثلاثاء السابق ليوم 2 أغسطس المشؤوم ، على أن ألحق به يوم الأحد الموافق 5 أغسطس لكي نأتي بنجوم العرض المسرحي من القاهرة إلا أننا يومها افترقنا طوال فترة الغزو العراقي الغاشم ، حيث بقيت مرابطا في الكويت ، بينما عمل هو منذ اليوم الأول كما شهد له القاصي والداني في المركز الإعلامي الكويتي مديرا للدائرة الثقافية في المركز بهمة ونشاط . وعمل على استصدار بيان من الاتحاد العام للفنانين العرب بإدانة الغزو العراقي الغاشم على الكويت. وكان هذا الاتحاد العام من أوائل الاتحادات المهنية العربية التي انتصرت للحق الكويتي ونددت بالغزو .
وطوال شهور الغزو العراقي البغيض كنت أحاول جاهداً متابعة الاطلاع على أخباره التي كانت تصلني بصور أو بأخرى ، وهو يراسلني من خلال بعض القنوات . ومن ضمن رسائله التي وصلتني منه وأحزنتني الرسالة التي حملت خبر وفاة السيدة الفاضلة والدته . فتمنيت أن أكون مع أخي في تلك اللحظة التي جاءت امتحانا لإرادة هذا الرجل الكبير في حزنه الصغير المصاب بأعز إنسانة بحياته أمام حزنه الكبير بفقده وطنه ، حتى كان التحرير واللقاء الأول بعده ، في أواخر شهر رمضان المبارك ، أوائل عام 1991 ، عندما غادرت من الإمارات إلى القاهرة . فكان ومجموعة من الأصدقاء الخلّص في استقبالي بمطار القاهرة . فكان البكاء فرحا بشوق اللقاء ومواصلة الحديث عن الخيبة التي أصابتنا جميعا.
ولا يفوتني هنا أن أذكر لقائي بالراحل الأستاذ حمد الرومي ، وكيل وزارة الإعلام السابق ، الذي كان يومها مديراً للمركز الإعلامي الكويتي بالقاهرة والذي ما أن اختليت به وتجاذبنا أطراف الحديث حتى أسهب وأطنب في ذكر السجايا والدور الكبير لصاحبي الأستاذ عبدالعزيز السريع .
وأذكر من ضمن ما أتذكر قوله لي : لقد اكتشفت جوهر ومعدن هذا الرجل والقيمة الكبيرة التي يمثلها . وإن لم أتفاجأ به .
وخلال إقامتي بالقاهرة اطلعت على الدور الكبير والرائع الذي قام به الأستاذ عبدالعزيز السريع في الجانب الثقافي والإعلامي في المركز من خلال الإصدارات التي تولى الإشراف على إصدارها والندوات التي شارك فيها انتصاراً للحق الكويتي ، والسجالات التي خاضها مع بعض ذوي الأقلام الشاذة في الصحافة المصرية ، التي اتخذت مواقف مائعة من الحق الكويتي . فكان مثالاً كعادته للرجل الذي يعمل دون كلل وبصمت من أجل بلده الكويت في أي موقع كان فيه .
كما لا أنسى دوره مع كل من الصديقين العزيزين الأستاذ الدكتور فاروق العمر ، والأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب يومها ، والأستاذ الدكتور سليمان العسكري ، الأمين المساعد للمجلس الوطني في إعداد الورقة التي تقدمت بها الكويت للاجتماع الأول لوزراء الثقافة العرب حول آثار الغزو العراقي الغاشم على البنية التحتية والمرافق الثقافية بدولة الكويت ، وهي الورقة التي كان لي شرف المساهمة في تزويدهم لإعدادها بالمعلومات التي توفرت لي ، والتي تمت الموافقة عليها ، سواء في اللجنة التحضيرية بوجود ممثلي النظام العراقي أو في اجتماع الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية العرب الذين تبنوا تلك الورقة كما هي .
كما أتذكر اجتماع المكتب التنفيذي لاتحاد الفنانين العرب العاصف الذي انتزعنا من خلاله بياناً بإدانة مجددة للغزو العراقي الغاشم وما سببه من سلب ونهب وتدمير للبنية الثقافية والفنية والمطالبة بإطلاق سراح أسرانا .
وحال استقرار الأوضاع في الكويت وعودة صديقنا عبدالعزيز السريع إلى الكويت كان همه شيئان لا ثالث لهما : لملمة أوصال القطاعات الثقافية للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ، من خلال موقعة كمدير للثقافة والفنون ، وإعادة تأهيل مقر فرقة مسرح الخليج العربي ، حيث قام بدور مميز في كلا المجالين ، ليفاجئنا بعد ذلك بسنتين بقرار استقالته من عمله كمدير للثقافة والفنون ، ولتتلقفه العين الفاحصة والخبيرة للأستاذ الشاعر عبدالعزيز سعود البابطين ويحمله أعباء الأمانة العامة لمؤسسته العريقة . فانغمس في العمل ليل نهار لتوسعة دائرة نشاط هذه المؤسسة وتحقيق تطلعات وطموحات صاحبها والقائمين عليها من آل البابطين الكرام ، وما جذّر أعمال هذه المؤسسة الثقافية الجليلة في ذهن المثقف العربي من مشرقة إلى مغربه دون استثناء ، متجاوزين كل الحواجز والعقبات السياسية التي كان من الممكن أن تقف حجر عثرة أمام المشروعات العملاقة لهذه المؤسسة المتفردة .
وكان صاحبنا عبدالعزيز السريع في عمله دقيقاً وأميناً في اختيار معاونيه ومساعديه حتى غدت المؤسسة على ما غدت عليه اليوم .
إن الحديث عن أخي وصديقي أبي منقذ يطول ويطول . ولقد عمل بجد واجتهاد من أجل ترسيخ النظام الأساسي للفرقة الوطنية للمسرح التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وتشريفنا معاً بالإشراف عليها . كما ضمتنا لجان عديدة معينة بالشأن المسرحي ، فكان سخيا في عطائه اللامحدود ، كما عمل بجد وإخلاص لتثبيت دعائم مهرجان الكويت المسرحي من خلال عضويته في لجنته العليا ، واسهم مساهمة فاعلة وإيجابية في إقرار النظام الأساسي للاتحاد الكويت للمسارح الأهلية .
وأستميح أخي أبا منقذ والقارئ الكريم عذرا إذا ما جاءت شهادتي بحق هذا الرجل مبتورة ومجزأة في كثير من أن مراحل العلاقة الإنسانية والعملية التي جمعتني وإياه . فهي أكثر من أن تعد وتحصى أو تحصر في عجالة كهذه وحسبي أنني ذكرت بعضا مما هو عليه وما يحسب له .
أما ما عليه فهو أقل من أن يذكر . وحسبي أن المولى عز وجل قد حباني بصديق وأخ من طراز الأستاذ عبدالعزيز السريع ، يختلف البعض معه ولكنهم لا يختلفون عليه .
فمبارك له يوم تكريمه ، داعيا له بطول العمر ومزيد من العطاء في خدمة الثقافة العربية ، وشاكراً لمؤسسة البابطين للإبداع الشعري مرة أخرى هذه الالتفاتة الكريمة المباركة . لقد قيل بحق : رب أخ لك لم تلده أمل . وعبدالعزيز السريع بالنسبة لي أخ كادت أن تلده أمي ...