من ذكرياتي 

مع الصديق الراحل كاظــم القــلاف

 

بقلم : فؤاد الشطي

 

       كثيرة هي المشاعر التي تخالجنا حين نفقد أحد الأعزاء ، لكن ربما ليس هذا هو شأن الكلمات للتعبير عن تلك المشاعر . وبعدالرحيل الأخير لا نجد غير الذكريات ملاذا يعزينا . والصديق الراحل كاظم القلاف لم يكن سوى واحدا من هؤلاء الذين يصعب أن تبارح ذكراهم الذاكرة ، لما تركه من بصمات  في النفس كإنسان وفنان ، ممثلا ومخرجا للتلفزيون والمسرح والإذاعة ، حيث قدم الكثير ولم يبخل بعطاء فني .

وفي غمرة عطائه أصيب بانسداد في الشرايين . ولكنه لم يستسلم، ولم تفارقه تلك الروح المرحة التي بإعتقادي تعكس صفاء كبيراً في داخله وإيماناً عظيماً لايزول ، ولا يتراجع أمام المصائب والأخطار . وبعد أن عولج من هذا المرض بأكثر من عام أصيب بمرض عضال . وكشأني مع جميع أصدقائي وزملائي وأحبابــــــــي ،

كنـت حريصاً على متابعة حالته المرضية منذ الساعات الأولى . ولهذا كنت أعلم تماما منذ البداية أن حالته تدعو للقلق وبخاصة ان الأطباء في الكويت ، وإن أخفوا ذلك عنه ، لم يخفوا عني الخطرالماثل له وان حياته باتت مسـألة وقت .. والأمر في البداية كما في النهاية كله لله الواحد الأحد . وأذكر أنه حين قرر السفر للمعالجة في أمريكا ، وسعيت مع اخواني لدى سمو الشيخ سعد العبدالله ، ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء ، حفظه الله لإرساله على نفقة الدولة فأمر بذلك مشكورا  ، ودعته داخل الطائرة فقال لي : " أشعر يا فؤاد وكأنني ذاهب لأجري عملية لوزات " ، وقد داريت ساعتها عصفة الألم الذي اعتصرني لقوله لأنني كنت أعرف كل شئ ، وشجعته بضحكة تخفي أكثر ما  تقول .

        وفي أمريكا أدخل الغرفة رقم625 بمستشفى هيوستن الطبي و أطلعني بكثير من الثقة التي كان يبديها تجاهي على كل التقارير والآراء الطبية  في الولايات المتحدة ، حيث كان يرسل لي كل ذلك بالتفصيل ، غالباً عبر الفاكس من المستشفى أو من الفندق ، لأقرأ في ما يكتبه أي عزيمة وأي إيمان بقضاء الله كان يتمتع به فقيدنا كاظم القلاف .  وكنت أجيب على رسائله ، وكلماته ، حتى أشعاره التي أرسلها لي ، بما يقتضي واقع الحال من تشجيع ومواساة ومحبة صادقة له ، لعلمي أنه رغم كل شجاعته وإيمانه ، لكنه أمام ضغط التدهور الصحي الذي  أنهكه ، وأمام الصراحــــة التامة التي واجهه بها طبيبه المختص في مركز هيوستن الطبي ، بأنه لا أمل له في الشفاء ، فقد كنت أدرك مدى حاجته للتشجيع .

        وبدايةً حاولت كثيراً - دون جدوى - الإتصال تليفونياً به ،   فأرسلت له رسالة عبر الفاكس  في 21 /5 /1998 أقول فيها :" أخي العزيز ..، تحياتي وأشواقي القلبية ودعواتي بموفور الصحة والعافية ...لقد حاولت الاتصال بشخصكم العزيز أكثر من عشر مرات دون جدوى وأرجو لضمان الاتصال بيننا اعتماد الفاكس وسيلة لأنه أضمن ..الجميع هنا يسألون عن صحتكم الغالية ويدعون لكم ليل نهار.

        ويعلم الله مدى إرتياحي حين تلقيت رسالته الأولى بتاريخ  23 /5/ 1998 حيث كتب لي يشكر وقفتنا معه في محنته فقال: " أخي العزيز ...، يعجز اللسان والقلم عن وصف شعوري نحو موقفكم النبيل في محنتي ولكن هذا لاشك يساعدني على الشفاء إذ يجد الإنسان اخوان مخلصين يؤازرونه ويقفون معه كجدار شامخ صلب " . وشكا من تأخر وصول العينة المرسلة من الكويت للمختبر إلى أمريكا ، وأنه اتفق مع طبيبه على أن " آخذ  كورس (الكيمو) الأول هنا في أمريكا ثم أكمله في الكويت نظرا لأن فترة العلاح ستطول إلى أكثر من ستة أشهر ..." 

        وفي الحال وبذات التاريخ 23/5/1998م لم أستطع أن أخفي فرحتي بوصول رسالته عبر الفاكس - وإن كانت ناقصة - وللإطمنان عليه ولكي أطمئنه على أخبارنا جميعاً ، كتبت له إنني سعدت بوصول كتابه الذي طمأنني عن  صحته ، ورجوته  أن يتقبــل تحياتي  وتحيات جميع الأخــــوة والأصدقـاء في الكويت . وكنت أحاول أن أنقل له أخبار الأصدقاء والتي كان من بينها  استعداد أخي الفنان القدير عبدالحسين عبدالرضا لدخول استديو 800 لتصـوير مسلسل " زمن الإسكافي " .

        وفي رسالتة التالية  بتاريخ 26/5/2000 قال ما نصه: " أنت تريد وأنا أريد والله يفعل مايريدوبعد ألف تحية وألف سلام .. لقد ترددت كثيراً في كتابة هذا الفاكس .. ولكن في النهاية لابد لي من ذكر الحقيقة وأن كانت مرة وإليكم  الأسباب :

1 - عند لقائنا الأول مع الطبيب سألنا لم قطعتم آلاف الأميال وجئتم إلى هنا ؟ قلت له للعلاج والشفاء ، فأجاب أنا لا أضمن لك الشفاء .. أجبته هذا أمر طبيعي فالشفاء من الله ومادور الطبيب إلا أنه سبب من الأسباب .. المهم أحالني إلى الفحوصات وتحاليل الدم والأشعة .

2 -    في اللقاء الثاني أجاب أنه بعد اطلاعه على النتائج تبين له أن مرضي من الأمراض المستعصية ولا أمل في الشفاء إذ تستغرق فترة العلاج ستة شهور تكون فرصتي في الحياة من شهرين إلى ثلاثة وأن " الكيمو " سيسبب لي تساقط الشعر والغثيان و .. فهل أنا مستعد لهذه المغامرة .. أجبته طالما أني قطعــــــــــت آلاف

الأميال فلامانع عندي إذ أن الغريق يتمسك بقشة .. وهنا أعطانء موعد للقاء  ثالث .

3 -    في اللقاء الثالث سألني هل مازلت على استعداد ؟ أجبته بالإيجاب قال ؟؟ ولكن قبل أن أبدأ العلاج انبهك إلى أن هناك أجسام لاتتحمل " الكيمو " وتضعف وتنهار و ...

4 -    طلبت من ادارة المستشفى تغيير الطبيب كي أسمع وجهة نظر أخرى فكان الرد بالرفض ..

5 -    اتصلت في المكتب الصحي واستشرت الشخص المسؤول وهو طبيب فقال أن هذا من أحسن المستشفيات في العالم وأطباءه من أكفأ الأطباء . " ..

        واختتم الراحل العزيز رسالته قائلا :

" 6 -  أنا والحمد لله نفسيتي مرتاحه أضحك وأفرح لأن الأعمار بيد الله .

        ان كانت لكم وجهة نظر أخبرونا بها ، مع أطيب تحياتي . ثم وضع ملاحظة هامة مفادها " أنا لم أخبر الأهل بهذه المعلومات .. أنت الوحيد الذي أخبرك بها " .

        وقد أجبته على تلك الرسالة التي آلمتني كثيرا في اليوم التالي مباشرة أي في 27/5/1998م قائلا له: " الأخ الأعز والصديق الحبيب كاظم القلاف ،... قرأت ماجاء في رسالتكم ولم اتفاجأ بالمعلومات .. لأن كل أطباء الكويت أكدوا على الحقيقة المرة ... " ، وأضفت : " أخي العزيز ، لقد هونت ما استعصى علي إدراكه بروحكم ولعمري أنك كبير كبير في كل شئ وإذا كانت لي من وجهة نظر فتتمثل في عدم أخذكم أي علاج عدا مايسكن الألم والعودة إلى الكويت لكي تكون بين أهلك .. وذويك وأصدقائك وأحبائك .. ، وليكن سلاحك لمحاربة المرض الضحك والكثير من الضحك أيضاً مع التطهر .. والتقرب من الله " .

        وبعد أقل من 72 ساعة جائتي رسالته بتاريخ 29/5/1998م يقول فيها بعد السلام : " ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال الى حال .أخي العزيز ، بالأمس كان اللقاء الأخير مع الطبيب حيث ذهبت لأخذ التقارير وصور الأشعة والعودة الى الكويت راجعا بخفي حنين واذ بي أفاجأ بلهجة الطبيب قد تغيرت 180 درجة وأبدى تفاؤلا كبيرا في علاجي.. فأعطاني موعداً وقال ان الرب يحبك وسيقف بجانبك فتوكل على الله " .

        ورغم إدراكي ومعرفتي خطورة وضعه الصحي  فقد أجبته على هذه الرسالة بتاريخ 30/5/1998م قائلا له : " الحمد لله على كل شئ .. والحمد لله والشكر لله على كريم عنايته ، فلقد تلقيت بفرح لا يوصف فاكسكم الأخير المبشر بفضل الله ونعمته بالأمل الذي كنا جميعاً نترقبه و ....  "  . واستمرت المراسلات بيننا لاتنقطع وكنت أرجوه دائما أن يتمسك بالعروة الوثقى وأن يكون قوي الإيمان بالله .. وأيضاً يضحك كثيراً وأبداً .. أبداً لايفقد الأمل في الله .

        وتواصلت الفاكسات بيننا ، وفي احدى هذه الفاكسات اخطرنا بأنه قرر العودة إلى الكويت . وكما أذكر في إحدى رسائله حين قرر العودة بعث لي من هيوستن  بقصيدة بتاريخ 8 /10 / 1998م يقول فيها :

        فكرت في سقمي ويأسي وحيرتي         فلم أر غير الله يأسو جراحيــــــا

        فمن ثم غير الله يرجى لعائـذ                    يقوم بجنح الليل يشكوه باكيـــــــا

        علقت آمالي بمن في رحابــه        يلاقي الحيارى إن دجا الليل هاويا

 

واختتم رسالته قائلا : " الحمه لله رب العالمين اليوم قابلت الطبيب فأبدى سروره وارتياحه من نتيجة العلاج وغداً آخذ الجرعة الأخيرة من علاج الكيمو واقابل الطبيب .. بعدها بثلاثة أسابيع  وأعود بعدها بإذن الله البارئ المصور إلى الكويت الحبيبة .. معنوياتي والحمد لله عاليه خاصة لقائي اليوم مع الطبيب وسماعي للنتيجة " .  ولا أخفي  يومها غامت الدنيا بعيني .. هل أفرح لعودته واللقاء به على هذه الحالة أم أحزن ، وعصرني الألم لما آل إليه حاله ، وإن شعرت بعزاء عودته إلينا وإلى أهله في الكويت ورددت له جوابي علــى قصيدته هذه بتاريخ 11/10/1998م  بأبيات شعريه كتبتها عفو الخاطر وبكثير من المساعدة ، لتحمل له فرحة الجميــع وفرحتي بالعودة إلى الكويت لرؤيته ، فقلت : إنني والأخوة جميعاً نحمد الله على سلامتك وقرب عودتك ، وأنني ماكنت أدري أن الشعر يأتي عندك بهذه الرقة ، لكن لابأس بالشعر للإنتصار على المرض والألم . وفيما قلته في ردي ما يلي :

أخي كاظم :

        دعوت الله مبتهلا بقلبــــــــي         وفي علني طرقت بابه راجيــا

        يعيدك للديار لنا معافــــــــى          وتخطر كما عهدناك ماشـــيا

        وعهد علي يوم ذاك بأننــــــي          لك إلى كنف المطار ملاقيــــا

        أروم بنفسي أن أروي ناظري                   بقدك المحبوب إذ جئت حاديا

        سألت الله حقا مرتـــجى                     وليس غير الله للناس شافيــــا

        ولا يأمل المكروب إلا بعطفه                    فرحمته ترجى وماكنت مغاليا .

 

وبعد ذلك ، لم تطل به الأيام كثيرا . فقد عاد الراحل العزيز كاظم القلاف إلى الكويت سراً دون أن يخطر أحداً بموعد وصوله ،  وعندما بادرت الاتصال به للتحمد بسلامة العودة وعتبي عليه لأنه لم يخطرنا بموعد استقباله في المطار ، أجاب لقد  آثرت أن لا أزعجكم بذلك ،  وخاصة وأن موعد وصول الطائرة لم يكن مريحاً لكم جميعاً ، فما كان لنا الا أن نحتفي بقدومه من قبل الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية بمقر فرقة المسرح الشعبي من خلال عشاء حضره كافة محبيه من فنانين ومسئولين واعلاميين .  وكان رحمه الله يلح في التعجيل بضرورة عودته للعلاج في أمريكا  وماكان يدري ان كافة التقارير التي كانت بحوزتنا تؤكد بأنه لافائدة ترتجى من ذلك .  فكان عاتباً وغاضباً على ذلك وعبر عن سخطه وغضبه بالنشر والتصريح وحملنا مالا نحتمل فتلقينا ذلك بكل الحب والتقدير لحالته الصحية الحرجة ،  وكان رحمه الله عنيداً في الكثير من المواقف ورفض رفضاً باتاً تلقى أي نوع من أنواع العلاج المتوفر في الكويت والشبيهة بما كان يتلقاه من أمريكا ، وانكب في أواخر أيامه على الكتابة التلفزيونية والقيام بواجب العزاء فقط أما معظم وقته فكان نائماً في منزله أو بين أولاده .

        وبقي شهوراً طويلة يكابد الموت ويصارع المرض بكل شجاعة ، ولم ييأس وأخذ ينغمس في العمل الفني حتى ينسى أو يتناسى آلامه   . وفي تلك الفترة  لم يعرف عنه تبدلا في إيمانه بالله وبالقضاء   أوفي ثبات عزيمته  ولا في روحه الذكية المرحة ، حتى أنه كان يغالب الموت عن طريق اليقظة الدائمة حتى غلبه القدر المحتوم أخيراً ... فغادر عالمنا الفاني شامخاً وغير خائفا من الموت .

        فقد كان الراحل  كاظم القلاف رجلاً كبيراً وشخصية متميزة ، كما كان فناناً معطاءا محبا للحياة ، ولم يبخل بأي جهد في سبيل الفن الذي عشقه .  لهذا كله نفتقد اليوم جميعا كاظم القلاف " أبا وائل  " ، وأفتقده أنا شخصياً صديقا ودوداً وفناناً طموحاً ،  وتفتقده الحركة الفنية الكويتية ممثلا ومخرجا للتلفزيون والاذاعة، وتفتقده الكويت وكل من عرفه . فإلى هؤلاء وإلى أسرته الكريمة ،  أعبر هنا عن خالص عزائي وحزني على  فقده .

        وإنا لله وإنا إليه راجعون .

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com