محمد السريع .. حمامة بيضاء
بقلم: فؤاد الشطي
مالي وقد تحولت المراثي باعثاً للكتابة التي أعشق رغم تواضع كلماتي ؟ أي سر في ذلك .. غير أن بعض الرجال الذين يعايشهم المرء يجبرونه على فعل ما هو أكبر من قدرات الإنسان ؟ ولعمري ، أن الفنان الكبير الراحل محمد السريع هو واحد من هؤلاء الرجال ..
فما عرفته إلا صديقاً .. نقياً نقاء الثلج ، وفياً للقاصي والداني .. مرحاً .. باسم الثغر حتى في أحلك اللحظات .. وهو يعاني ما يعانيه من مرضه اللعين الذي أفقدنا إياه ..
أبو جمال ، صنف جميل ومختلف من الرجال . فهو لم يكن فناناً كبيراً فحسب بل كان إنسانا أكبر : تواضع جم ، وتلقائية جميلة في الحياة .. أو عندما كان يعبر عن الحياة تمثيلاً .. مسرحاً كان أو تلفزيون أو أي وسيط آخر .. فأبوجمال رحمه الله هو أبوجمال ، لاتكاد تميز بين ماهو عليه أو مايتمثله من شخوص فنية أسعدنا بها طوال الأربع والثلاثين سنة الماضية من عمله في الحقل الفني .
ورهافة قلب الرجل سر قوته ، وقلب فناننا الراحل محمد السريع قلب حنون تسعده أبسط الأشياء .. وتحزنه مثلها من المواقف الإنسانية المؤثرة .
عرفت أبا جمال منذ بدايات اشتغاله في المجال الفني ، وكنت أتلمس مدى الجهد الذي بذله في خلق اسمه فنياً ، وكيف كان يدير الأمور الإدارية في فرقته " مسرح الخليج العربي " بكثير من التفاني والتضحيات .
جمعتني به رفقة السنوات الطوال . ولعل أجمل الذكريات التي تجمعني وإياه رفقة السفر .. وفي السفر تظهر معادن الرجال على حقيقتها . فالراحل العزيز كان ممتعاً .. فيه كل الخصال التي تتمنى أن تكون في رفيق السفر ، شهامة وكرم وعزوة وطرافة .. لا تشعرك بوحشة السفر وأعبائه . ولعل الذكريات الجميلة في مثل هذا الفقد الفادح هي التي نقتات عليها حباً في أمثاله من الرجال حتى نلقى وجه بارئنا .. إن عاجلاً أو آجلا .
ومحمد السريع الفنان الإنسان كان كما الحمامة البيضاء في وسطنا الفني .. يعمل على وصل ما انقطع .. ويشع ضياء بياضه على الآخرين انعكاسا لبياضه الداخلي .. فهاهي الحمامة قد طارت ولكن تبدو كما النجمة الشهباء في الأفق البعيد .
رحمك الله أبا جمال وأسكنك فسيح جناته .. وصبر الله قلب رفيقة دربك الفاضلة أم جمال وجمال وبقية أفراد أسرتك الصغيرة وآل سريع الكرام ..ولكل من عرفك وأحبك الصبر والسلوان . فإلى جنة الخلد يا أنقى الرجال .
أضعـــف الإيمـــــــان
لا أدري لماذا تحاول الكلمات أن تخونني وتعصاني في هذه الأمسية ، كما أن المشاعر لا ترغب بأن تفصح عما يختلج في الصدر في هذه اللحظة .
عل السبب في ذلك طبيعة هذا الحفل الذي نحاول من خلاله أن نتذاكر سوية مناقب ومآثر من نجتمع على حبه في هذه الأمسية ، ألا وهو الفنان الإنسان الذي أحببناه جميعاً .. الراحل محمد السريع ... ولعل لدى من الأسباب العامة والخاصة ، مايبرر ذلك . فما هذه النوعية من حفلات التأبين إلا ممارسة من قبلنا لأضعف الإيمان أو هي محاولة للتخلص من مشاعر الاحساس بالذنب .. أو كما هي بلغة المسرح نوع من أنواع التطهر لتشكل بالدرجة الأولى نوعاً من أنواع العزاء للنفس قبل الآخر .
فكلما افتقدنا مبدعاً كويتياً وقفنا نبكيه ونتذاكر مناقبه ، وهذا حالنا دائماً لانقدر قيمة الأشياء الجميلة التي بين أيدينا إلا بعد أن نفقدها .. حتى هذا الوطن الجميل لم ندرك قيمة عظمته ومقدار حبنا له إلا بعد أن فقدناه ، فأكرمنا المولى عز وجل بمن ساعد بإعادته إلينا .
فإذا كانت الأوطان قرة الأعين فإن مبدعيها من النساء والرجال هم الأهداب والأجفان ، تشكل حماية للعين وزينة لها .
فكم من مبدع جميل سقط بكيناه لحين .. وأبناه بأضعف الإيمان .. وبعد زمن قصير طواه النسيان ... وكم من مبدع نراه يتساقط على مرآى ومسمع منا دون أن نملك من أمرنا شئ .. فيامريم الغضبان .. كاظم القلاف وغيرهم .. عذراً فنحن لانملك لكم إلا الدعاء .. الدعاء بطول العمر والشفاء العاجل وهذا أضعف الإيمان .
ولعل روح فقيدنا الراحل الكبير محمد السريع وهي تحوم بيننا تجلجل ضاحكة من حولنا لأنه مارس في حياته معنا فعل أضعف الايمان في مثل هذه المواقف .. إلا موقفه الأخير .. فأبا جمال رحمه الله واجه قدره ضاحكاً مبتسماً حتى في أشد أوقات وطأة المرض ، فلم يكن مثلنا نمارس أضعف الإيمان بل مارس الايمان كله .. الايمان بقضاء الله وقدره ، فرحل قرير العين مدركاً أنه خلف إرثاً إنسانياً وفنياً جديران بتذكيرنا به في كل لحظة وكل يوم .
فيا أبا جمال أسعدتنا بحياتك وأيما سعادة .. بنبل خصالك وجميل عطائك الابداعي دون إدعاء وتكلف .. فلا يسعنا إلا الدعاء للباري عز وجل أن يتقبلك بواسع رحمته ، وأن يثيبك على قدر ما أسعدتنا به .
أما أنتم يا ذوي فقيدنا الراحل العزيز لعلكم أدركتم من خلال مجلس عزاءه كم كان ملكاً للجميع وليس لكم وحدكم .. فأحسن الله عزاءكم وعزاءنا .
أما أنتم اخواتي واخواني الفنانات والفنانين لا أملك إلا الدعاء لكم ولي بالصحة وطول العمر .. وإن لم يكن فهناك دائما أضعاف الإيمان .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،