بقلم فؤاد الشطي
أيها الحفل الكريم
باسمي وباسم جميع فناني المسرح في الكويت أقدم لكم أحر مشاعر العزاء واللوعة على المسرحي الراحل سعدالله ونوس الذي نجتمع على حبه هذا اليوم . وبقدر ما أحمل من مشاعر الحزن والأسى على الرحيل المبكر لهذا المسرحي الكبير ، فإنني أوكد أن غيابه جسدياً لن يكون نهاية لحضوره بيننا ، نتذكره ونتمثل فكره وأدبه كأحد مسرحيينا ومثقفينا الكبار .
أقول هذا مؤكداً أن العظماء لا يمحوهم الموت من ذاكرة الأجيال ولو غيب أجسادهم . ومنذ نيف وألفي سنة عاش مسرحيون كبار وماتوا لكننا لإنزال نذكر عبر الأحقاب كل ما أبدعوه من فكر وأدب وصل إلينا . ومن هنا في اعتقادي تأتي أهمية وخطورة دور الثقافة كإرث لا يموت ما بقيت الحياة والمجتمعات .
ولم يكن الراحل سعدالله ونوس غير أحد هؤلاء الذين فرضوا بأصالة ما أبدعوه حضورهم في سجل الخلود . ولقد كان سعدالله زهرة بلغ عبقها آفاقاً بعيدة ، وسراجا أضاء مع غيره من حملة الفكر سماءنا العربية ، ودفع بحركة المسرح والثقافة قدماً لخطوات كبيرة ، مساهماً بجدية في إعادة تشكيل حياتنا الثقافية المسرحية ووجداننا الإنساني .
وعلى الرغم من أن فقيدنا الراحل قد هيأنا لقبول موته فإن نبأ ارتحاله ترك في حناجرنا غصة لا تحول ، وندبة لن تمحي .
وبالنسبة لي شخصياً ، يعلم الله أن الحزن الذي تركه في داخلي أكبر من أي كلمات ووصف . ويوم التقيته في بيروت حينما كرمته لبنان في السنة الماضية كادت الكلمات تخونني بعد أن رأيت إلى ما صار اليه حاله نتيجة ذلك المرض اللعين . يومها ضعفت فكان عتياً ، وتخاذلت وكان قوياً ، خفت عليه شبح الموت المقبل فكان بالموت زرياً ، وبدا راسخاً جلداً ، لكأنه كان يهزأ بالموت الذي كنا نخاف عليه منه ، وكان الموت يحفر في قسماته السمحة أنفاقا مريبة .
لكنني تصابرت متجلداً لأسترجع بالذاكرة تلك الملامح اللطيفة والعينين النافذتين المتحديتين ، وأستجمع نبرات ذلك الصوت الهادئ الواثق في أحاديثه لي يوم نلتقي أو عبر الهاتف . استرجعت حديثه معي حينما تصديت لإخراج مسرحيته الرائعة " رحلة حنظلة " ، وقد طلبت اليه أن يأذن لي بذلك . وكان جوابه قطعياً لاتردد فيه بأن أمنيته أن ترى تلك المسرحية النور على خشبة المسرح وبلا شروط . وكان معنى ذلك شئ واحد لايقبل التأويل ، أن المسرح قد أصبح كياناً راسخاً لا يتزحزح في أعماقه ، كيان يرى أنه قادر على تغيير كل شيء ، صار عشقاً كما أكد في كلمته بيوم المسرح العالمي .
وقبل أن أجد نفسي مستغرقاً في حديث أحب أن لاينتهى عن المسرحي الراحل سعدالله ونوس ، فإن لي من الثقة والأمل ما يجعلني أتمنى على الأستاذة الدكتورة نجاح العطار ، وزيرة الثقافة ، أن تعمل بالتعاون مع المفكرين والمثقفين على إيلاء كل اهتمام والتفاته حانية لذلك الإرث الثقافي الإنساني الذي تركه فقيدنا الراحل . كما أقترح أيضا ، تخليداً لاسم هذا المسرحي الكبير بوضع جائزة تحمل اسم سعدالله ونوس وتكون من الأهمية الثقافية والمادية ما يجعلها حرية بحمل اسمه الذي سيظل علماً في أذهـان الأجيال العربية لآمـاد بعيدة خالدة . وإننى على ثقة أن هذا هو خير احتفال يمكن أن يعكس رفعة وعظمة الإرث الثقافي المسرحي الذي وهب له فقيدنا الغالي عمراً تميز بالعطاء والإخلاص .
وأخيراً ، لا يسعني إلا أن أشكر لكم دعوتكم لي لحضور هذا الاحتفال التأبيني لأربعينية سعدالله ونوس . داعيا الله أن يلفه بواسع رحمته ، وأن يلهم ذويه الصبر والسلوان ، متقدماً بخالص العزاء لجميع الأخوة الفنانين المسرحيين في سوريا الحبيبة والعالم العربي .
حم الله فقيدنا الغالي
وإنا لله وإنا اليه راجعون .
أيها الحفل الكريم
في يوم تأبين الحبيب الراحل سعدالله ونوس وبالذات في مسرح المدينة الذي تديره عاشقة المسرح وأخت الرجال الفنانة نضال الأشقر ، أحرص كل الحرص على أن تكون لنا كلمة وفاء للراحل مثلما كانت لنا كلمة تكريم يوم احتفل به هذا المسرح في السنة الماضية .
لقد كان سعدالله ونوس مسحة الأمل التي عبرت أجواءنا العربية بعد نكسة حزيران ، مبشرة ببزوغ نجم كبير في عالم الثقافة المسرحية ، كما جاء موته إشارة الى ضرورة تجديد آمال الأمة في القدرة على المقاومة وتجاوز المؤامرات التي تحاك ضد أمتنا . ولقد غاب سعدالله عنا جسداً لكنه سوف يبقى حياً ما بقيت الحياة بما تركه من إرث ثقافي أصيل .
إن عظمة الإنسان في هذه الأرض هي حصيلة مجموعة المنعكسات الفكرية والأخلاقية للشخصية البشرية ، متمثلة في نفاذ البصيرة وقوة الشكيمة والالتزام الأخلاقي ، وهي بلا شك ميزان لقدرة الإنسان الفرد على فهم الواقع وتحويل لحظاته ، حتى في أسوأ حالاتها ، الى أفق حياتي يتخذه المرء مرتكزاً للانطلاقة الى ما هو أبعد من المواجهة السلبية للمحن والصعوبات التي تعترضه في حياته . وكان هذا ما فعله فقيدنا الراحل سعدالله ونوس . فقد كان شديد التفاؤل والثقة في انتصاره بالكلمة والإرادة على ظروف مرضه العضال. ومن خلال إيمانه الراسخ بالمسرح أخذ يستمد مقومات البقاء والتحدي متطلعاً الى أن يواجه بهذا الإيمان العميق بالمسرح جدلية الفناء والخلود التي تقف حائلاً أمام تطور الأفراد العاديين .
غير أن سعدالله ونوس تحول بحياته الى الإبداع كشاغل حياتي ، حتى أصبح عنده معادلاً فعليا لفناء الجسد ، وهو موقف لايتوفر عليه سوى الرجال العظام . وبهذا السلاح انطلق ليواجه الحياة مفعماً بالأمل في التغيير وتجاوز ظروف الواقع وتطويرها ، مثلما كانت دفعته جرأته الفكرية منذ بداية حياته الى معالجة أكثر المسائل اليومية دقة وصعوبة من خلال أعماله المسرحية وأفكاره السياسية ، يحدوه في موقفه هذا نبل الثائر وحصافة المفكر ، باحثاً عن آفاق جديدة لعالم جديد فناهض كل ضروب التعصب الديني والعرقي ، وأدان جميع أشكال النفاق السياسي والثقافي والاجتماعي بكل قوة ووعي عميق .
أيها الحفل الكريم
إن الحديث عن فقيدنا الراحل يكاد لا ينتهي ، لكنني أجد لزاماً علي أن أقول بحق هذا الحبيب الفقيد ما يمليه شعوري تجاه الذي تكون بمعرفتنا منذ سنوات طويلة . وفيما ستبقى حياتنا المسرحية تستفيء بظل إرثه الثقافي الأصيل ، سيظل سعدالله بيننا نبراساً شامخاً لكل متطلع الى نهضة عربية فكرية .