منصور المنصور .. وأنا
بقلم: فؤاد الشطي
للحديث عن الفنان القدير منصور المنصور يجب علي العودة بالذاكرة إلى الوراء لفترة تتجاوز خمسة وأربعين عاماً وما يزيد ، منذ أيام بواكير الصبا وإلى حاضرنا الذي نعيش . فما يعلق في ذهني عن التعرف غير المباشر به في الفترات الأولى هو وشقيقيه الفنانين القديرين عبدالعزيز ومحمد المنصور ، عندما كانوا يعلبون في مدرسة المتنبي المتوسطة في دسمان ، حيث كنت في الطرف الآخر مشجعاً ومن ثم لاعباً في متوسطة مدرسة الصديق ، وكان دوري كرة القدم بين مدارس الكويت محتدماً في المنافسة على لقب البطولة بين هاتين المدرستين ومتوسطة حولي ، حتى تم إشهار النادي العربي ليكون منصور المنصور أحد حارسي مرماه الأساسيين ، وكنت يومها من ضمن فريق أشبال النادي ذاته مع كل من جواد عاشور وعلي الملا وصالح عبد الله وغيرهم .
وكان محمد المنصور ضمن الفريق الثاني . هذا على مستوى التعرف على الاسم والشكل دون الاحتكاك والالتصاق الإنسـاني المباشر . حتى النصف الأول من مرحلة الستينيات من القرن الماضي ، عندما التحقت بفرقة المسرح العربي ومزاولتي للتمثيل في العديد من الأعمال الإذاعية ( التمثيليات والمسلسلات ) حيث كان معظم تعاملي مع الأعمال الإذاعية الناطقة باللغة العربية الفصحى مع مخرجين عرب كبار من أمثال الأستاذ إسلام فارس والأستاذ أحمد سالم والمرحومين علي الزفتاوي ومهند الأنصاري ، ومشاركتي المحدودة في الأعمال التمثيلية الناطقة باللهجة الشعبية الكويتية مع المخرجين الإذاعيين الأوائل من أمثال أ . عبدالعزيز الفهد والمرحوم سليمان المنصور من خلال إذاعة البرنامج الثاني ( الإذاعة الشعبية ) ، حيث كنت أشاهد الفنان القدير منصور المنصور يجول بين أروقة مبنى الإذاعة القديم ذهابا وإيابا وهو يحمل أشرطة برامجه المنوعة التي كان يخرج بعضها ويقدم بعضها الآخر . وفي تلك الأثناء أيضاً بدأت أتعرف إليه كفنان مسرحي من خلال مشاهدتي له كإداري ناجح وممثل في العروض التي قدمتها فرقة مسرح الخليج العربي بعد تأسيسها عام 1963 حتى لاحت لي فرصة التعامل المباشر معه في النصف الأخير من عقد الستينات حيث تولى إخراج المسلسل الإذاعي الخالد " حبابة " ، وقد شاركته على مدار سنوات في العشرات من حلقات هذا المسلسل الذي كان يكتبه آنذاك الأخ الصديق الأستاذ عبدالرحمن الصالح ، وحيث كنت أقوم بتمثيل العديد من الشخصيات في هذا المسلسل إلى جانب قيامي بتجسيد العديد من " الكاركترات " التي تدخل في إطار المؤثرات الصوتية من تقليد لأصوات بعض الحيوانات والطيور الخرافية منها والحقيقية ، إذ إنني كنت آنذاك أمتلك ناصية التقليد إلى درجة جيدة من الإتقان . وكان الأستاذ منصور المنصور مشجعاً ومحفزاً لي على تقديم المزيد منها .
كان الأستاذ منصور المنصور سلساً في إدارته لفريق العمل ويضفي جواً من الارتياح في نفوس المتعاونين معه ، كما أنني شاركته التمثيل في العديد من الأعمال الإذاعية ، ما عمق من تعرف كل منا على الآخر بشكل فيه الكثير من الود والاحترام المتبادل .
كل ذلك وفرقة مسرح الخليج العربي التي كان يشكل ركنا رئيسياً من أركانها تتواصل عطاءاتها المتنوعة والمختلفة في نوعيتها عما هو سائد من عروض في الساحة المسرحية الكويتية آنذاك من خلال قطبي الإبداع فيها الثنائي الراحل الكبير صقر الرشود والكاتب والأديب الكبير أ. عبدالعزيز السريع ، أطال الله في عمره .
وكنت كثيراً ، عندما يستشيرني زملائي ورفاق دربي في أنشطة المسرح المدرسي الذين يودون الانضمام إلى إحدى الفرق المسرحية الأهلية معبرين عن رغبتهم بالالتحاق بفرقة المسرح العربي التي شرفت بالانضمام إليها ، كنت أحيلهم إلى فرقة مسرح الخليج العربي ، لأن الفرص لهم كشباب متاحة هناك أكثر بالقياس إلى فرقة المسرح العربي التي كانت تعج برواد ونجوم الحركة الفنية في الكويت آنذاك ، وهذا ما حصل مع كل من الفنانين الأستاذين سليمان الياسين وحميد السلمان وغيرهما .
ودون انتقاص من جهود الآخرين ، حيث أن العمل المسرحي عمل جماعي لا يقوم على جهود أفراد بعينهم ، فإن الفضل الأكبر لما تحقق لفرقة مسرح الخليج العربي من خلال نتاجاتها المسرحية المتميزة ، ومن سمعة طيبة ليس على الصعيد المحلي فحسب وإنما على الصعيد العربي ، كان بفضل التفاهم والتناغم والانسجام والتعاون والتفاني إداريا وإبداعيا بين ثلاثي فرقة مسرح الخليج العربي والمكون من مبدعنا الراحل صقر الرشود ومبدعينا أطال الله في عمرهما عبدالعزيز السريع ومنصور المنصور .
ومن خلال مواقعنا القيادية في فرقتينا ، فرقة المسرح العربي وفرقة مسرح الخليج العربي ، جمعتني والأخ الصديق الأستاذ منصور المنصور العديد من جلسات العمل والتنسيق المشترك واللقاءات الرسمية مع كبار المسؤولين في الدولة لتحقيق تطلعات وآمال المسرحيين الكويتيين ، فكان الأستاذ منصور نعم الأخ والصديق ، متفانياً في أداء ما يسند إليه من مهام، كما أنه جمعتني معه صحبة السفر في العديد من الملتقيات والمهرجانات المسرحية العربية ، فكانت صحبة طيبة لا تخلو من المتعة ومن المقالب التي تضفي أجواء المرح والبهجة علينا ونحن خارج الكويت .
وكان للأستاذ منصور المنصور العديد من الأنشطة الفنية في مختلف المجالات . فقد مثلأدوار البطولة في الأعمال التلفزيونية في مرحلة السبعينيات، إلى جانب مشاركاته كممثل رئيس في العديد من المسرحيات التي قدمها مسرح الخليج العربي وإخراجه لبعض أعمال الفرقة . كما انه ظل وفياَ لعشقه الأول المتمثل بعمل الإذاعي ، حيث أخرج المئات من البرامج المختلفة حتى تبوأ رئاسة قسم ومن ثم منصب مراقب المنوعات في إذاعة الكويت . ولعلنا جميعاَ ندرك دوره الأساسي في إنشاء وإدارة الإذاعة السرية إبان الأيام الأولى من الاحتلال الصدامي البغيض لدولتنا الحبيبة ، حيث حمل والمجموعة التي معه من إعلاميين معروفين أرواحهم على أكفهم ليظل صوت الكويت مسموعاً ، وليواصل من بعد مشواره في هذا الطريق لتأسيس إذاعة الكويت المنطلقة من المملكة العربية السعودية الشقيقة حتى إشرافه على تأسيس وإدارة إذاعة صوت العراق الحر في المملكة العربية السعودية أيضاً .
وإذا ما تحدثنا عن منصور المنصور لا بد لنا أن نتحدث عن المذياع الصغير الذي يحمله في حله وترحاله دائماً . فهو على عكس الكثيرين لا ينام إلا على صوت المذياع .
ولقد عملت مع الأستاذ منصور المنصور وتعاون معي في العديد من اللجان والأطر الإدارية المختلفة المتعلقة بالمسرح . وكان دائماً متوافقاً مع ما أطرحه من أفكار ومقترحات لأنها كانت تصب في الصالح العام للحركة الفنية والمسرحية بالكويت . وعندما حصلت في عام 1992 على موافقة مجلس الوزراء الموقر بإشهار الاتحاد الكويتي للمسارح الأهلية وشرعت في وضع مسودة نظامه الأساسي ، وحال الانتهاء منه دعوت لاجتماع لرؤساء وأمناء سر الفرق المسرحية الأهلية وبعض الشخصيات الاعتبارية فيها ، وارتأيت أن يعقد الاجتماع بمقر فرقة مسرح الخليج العربي حيث عرضت عليهم النظام الأساسي ، وبعد مناقشات ومداولات وإجراء بعض التعديلات ، تم إقرار النظام الأساسي ، وشرعنا في عملية إشهار الاتحاد ، حيث اقترحنا أن يتمثل فيه خمسة من كل فرقة، وعن طيب خاطر وبتوافق جماعي وقع الاختيار على الأستاذ منصور المنصور ليكون رئيساً للاتحاد وكنت شخصيا أمينا لسره ، وتم اختيار مقر فرقة المسرح العربي بصفة مؤقتة كمقر للاتحاد. وعملنا معاً وبقية الرفاق والأصدقاء في مجلس إدارة الاتحاد الكثير من أجل تثبيت دعائم هذا الاتحاد . وكان التفاهم بيني وبينه يبلغ أعلى مستوى ممكن . ولست في معرض الحديث عما حققناه خلال هذه الفترة برغم قصرها ، إلا أنها كانت أعمالا تتناسب ومرحلة التأسيس .
ومنصور المنصور يحسب له في تاريخ الحركة المسرحية الكويتية أنه أول من تصدى لإخراج مسرحيات موجهة للأطفال بالتعاون مع صاحبة المبادرة آنذاك السيدة عواطف البدر ( من خلال مؤسسة البدر للإنتاج الفني ) .
ولو شئت الدخول في الحديث بتفصيلات عن الأستاذ منصور المنصور ، الأخ والصديق والحبيب ، لما اتسع المقام لذلك الآن . وحسبي أنه عميد أسرة المنصور العرفج في المجال الفني الكويتي،الذين كسبتهم أصدقاء وأحبة على درجة عالية من الخلق والمحبة والإخلاص . فمن عبدالعزيز المنصور العرفج ، أول ماكيير كويتي ، والذي أصبح من بعد أحد أفضل مخرجينا التلفزيونيين ، ناهيك عن محاولاته في الإخراج المسرحي ، إلى الحبيب النجم المتألق دائماً محمد المنصور الكبير بفنه وأخلاقه ، ومن ثم الأخ الأصغر الحبيب حسين المنصور الذي بزغ نجمه فناناً متمكناً وإدارياً ناجحاً ومتألقاً وذكيا في تعامله ، والأخ الصغير الحبيب عيسى المنصور الذي يسعد كل من يلتقيه بابتسامته الدائمة وأدبه الجم .
وإذا كانت لي من كلمة أخيرة، فالأولى لأخي وصديقي منصور المنصور بأن يترفق بنفسه بالمحافظة على صحته ، لأننا في حاجة إليه، وأن يواصل عطاءه في مجال التمثيل الذي تألق فيه مجدداً في الأعمال الأخيرة من نتاجات أعمال المنصور التلفزيونية ، وحسبه ما أعطى في بواكير عمره، وقد آن الأوان له أن لا يقسو على نفسه أكثر.
أما الكلمة الثانية فهي كلمة شكر وتقدير واحترام لرئيس ومجلس إدارة وأعضاء فرقة مسرح الخليج العربي التي تكرم اليوم الأستاذ منصور المنصور من خلال هذا الكتاب التذكاري ، بما يشكل من معاني الوفاء والإخلاص لرجل أعطى هذه الفرقة الشيء الكثير ، وهو دليل قاطع على وفاء الأجيال للأجيال ، متمنياً أن تسود هذه الروح جميع الفرق والمسرحيين الكويتيين ، والله الموفق .