حكايتي مع كنعان حمد

بعيدا عن زخرف الكلام وحسن البيان

 

*  البدايات الأولى

كانت بدايات المعرفة البعيدة القريبة بالراحل الكبير الصديق كنعان حمد من  خلال الأنشطة المسرحية المدرسية والأندية الصيفية ومشاهدات نتاجات كل منا للآخر. كنت يومها أرأس فريق التمثيل في أندية مدرسة النجاح، ومن ثم الصباح فمدرسة الصديق. وكان هو مع رفيق دربنا المشترك المرحوم جوهر سالم يمارسان النشاط ذاته في مدرسة الشامية وناديها الصيفي، فكان التنافس على أشده ومستمرا فيما بيننا ، جريا على عادة تلك الأيام. وكان تقديري لكليهما كبيرا حقا على المستويين الفني والإنساني.

المرحلة الثانية من اللقاء عن قرب كانت في مسرح كيفان عام 1963 عندما تقدمنا للالتحاق   بالدفعة الثانية لفرقة المسرح العربي التابعة آنذاك لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والتي كان  يشرف عليها معلمنا ومحدث الحركة المسرحية الكويتية ، المسرحي العربي الكبير زكي طليمات. وعندما انتهينا من أداء اختبارات القبول تم  قبولنا نحن الثلاثة معا، وان كان الراحلان الكبيران قد استمرا في التواصل مع الفرقة وأعمالها نظرا لقرب المسرح من منزليهما ، فالمرحوم جوهر سالم كان يقطن الشامية ، وكان كنعان حمد يقطن في منطقة الفيحاء ، ولا يفصلهما إلا شارع واحد ومئات الأمتار عن مقر  المسرح. أما انقطاعي فمرده  لأنني كنت أسكن في  منطقة بعيدة تستلزم مني محطتين للنقل العام للوصول الى مقر المسرح، فتعثر تواصلي مع الفرقة ، لكي أعود بعد سنتين وألتقي الراحل كنعان حمد مجددا من خلال معهد الدراسات المسرحية الذي أسسسه زكي طليمات آنذاك، وكان يسبقني بسنة ، فعاودت نشاطي بفرقة المسرح العربي التي تحولت الى فرقة مسرحية أهلية كجمعية نفع عام.

خلال الدراسة، ونظرا لمحدودية أعداد دفعتين الأولى والثانية ، كانت المشاريع المسرحية بالمعهد مشتركة. وكنت بطلا لمعظم العروض المسرحية التي قدمت آنذاك إلى جانبه وبقية الأخوة الدارسين ، كما كنا معا نخدم فرقتنا المسرحية في كافة الأمور الإدارية والفنية.

وفي تلك الفترة تهيأت لنا الظروف للاندماج مع بعضنا بعضا حين أتيح لنا السفر الى كل من بغداد والقاهرة لتقديم عروض مسرحية " صلاح الدين وبيت المقدس " عام 1968. وفي خلال السفر يعرف المرء قرينه أفضل ، وكان المرحوم كنعان أحد الذين أضفوا الكثير من البهجة والسرور على قلوب أعضاء الوفد بما تمتع به من خفة ظل وطرافة ومن مشاغبات ومقالب تضفي أجواء حميمية وتكشف معادن الرجال. وكانت تلك سنته النهائية في المعهد ، وأنا في السنة الثالثة فيه، حتى عام 1969. وحين تخرجت من المعهد تقدمت للعمل بوزارة الإعلام ، وتحديدا في تلفزيون الكويت ، لأفاجأ بسؤاله لي ان يعمل معي ، أي في الجهة ذاتها، بعد ان أخفق للأسف الشديد في السنة التالية في اجتياز امتحانات الثانوية العامة. فكان ان التحقنا معا بالعمل في الشهر ذاته، وكان رقم ملفي 1229 ورقم ملفه 1230 ، فكانت هذه الفاصلة في الرقمين ملازمة لنا في جميع خطواتنا الحياتية بعد ذلك، فإذا سبقني يوما بعمل ما سبقته أنا بيوم أو برقم في فعل آخر.

وخلال تلك الفترة، منذ منتصف الخمسينات حتى التحاقنا للعمل سوية بوزارة الإعلام، كان الراحل الكبير غير منضبط في تواجده ومشاركته في أعمال الفرقة . وكانت انقطاعاته الطويلة لسبب أو آخر مبعث استيائي الشديد منه، فما كان ينقطع فترة إلا وسعيت للعثور عليه لإعادته  لممارسة نشاطه في الفرقة مرة أخرى.

أما في التلفزيون فقد تهيأت لنا السبل للعمل في كافة مجالات الإخراج في العديد من البرامج الخاصة والمنوعة ، وإن تميزت عنه بإخراجي للأعمال الدرامية التي لم  يمارسها هو إلا في وقت متأخر من عمله الفني بالتلفزيون، حيث استقر به المقام أخيرا مخرجا متميزا لبرامج المنوعات، هذا إلى جانب تمثيلنا المشترك للأعمال التلفزيونية والإذاعية والمسرحية متى تهيأت لنا الفرص لذلك.

وكان رحمه الله مع الأخ والصديق والمحب الكبير ، الفنان الرائع عبد المجيد قاسم ( عوعو ) يتناوبان على إيصالي بسياراتهما الخاصة من المنزل إلى مقر العمل في التلفزيون والإذاعة أو المسرح وبالعكس أيضا. ذلك كان بين العامين 1965 حتى 1967 ، إذ لم أكن في سن قانونية نخولني حيازة رخصة قيادة سيارة يومئذ، وإن كنت أبدو من حيث الشكل والسلوك أكبر سنا من ذلك، حتى تمردت على القانون واقتنيت سيارتي الخاصة بي ، حتى قبل حصولي على رخصة القيادة.

في المسرح توطدت علاقاتنا الإنسانية مع بعضنا بعضا ، فكنا في فرقة المسرح العربي كعائلة واحدة، نفترش صالات المسرح ليلا ونقضي الليل في المسامرة والضحك من خلال الحكايات الطريفة لمبدعينا الكبار من أمثال عبد الحسين عبد الرضا وسعد الفرج وخالد النفيسي وغيرهم.

أما في التلفزيون فدائرة العائلة كانت واسعة ، إذ كانت حديقة التلفزيون الصغير ة المقابلة لمراقبة البرامج وقسم التمثيليات الرئة التي نتنفس منها ونجدد بالطرف التي نتبادلها نشاطنا استعدادا لعملنا معا في البرامج التلفزيونية المختلفة، في زمن عمالقة الإعلام والإعلاميين التلفزيونيين وهم أكثر من أن يعدوا في هذا المقام.

كان رحمه الله ومنذ التصاقي الحميمي معه من الذين يدفعون بي الى الواجهة في صنع القرار في إدارة المسرح العربي الذي يعج بالنجوم النجوم في المسرح والفنون الكويتية، وذلك بمؤازرتي ودعمي في كافة المرات التي أترشح فيها لعضوية مجلس الإدارة بالفرقة ، ممثلا لنفس شبابي الى جانب رجالات المسرح الكبار آنذاك. وكنت من خلال تأييده والغالبية العظمى من أعضاء الفرقة أحصل على أعلى نسبة من الأصوات في تلك الانتخابات، حتى عندما تم ابتعاثي عام 1971 مع مجموعة طيبة من مبدعي التلفزيون الى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الإعلام بشكل عام والإخراج التلفزيوني والسينمائي بصفة خاصة. واستمر تواصلي مع معظم أعضاء الفرقة من خلال المراسلة يومها ، متتبعا كل صغيرة وكبيرة مما يدور في داخل الفرقة . وكان الراحل أبو حمد أحد الذين واظبت على مراسلتهم ، وإن كان رحمه الله كسولا في هذا الجانب، فمقابل كل عشرة رسائل أوافيه بها كانت تصلني منه ربما رسالة واحدة مختصرة ، متعللا بأنه لا يحسن الكتابة ولا يطيقها، حتى فوجئت عام 1973 برسالة منه يخبرني فيها بأنه في طريقه للزواج، ويعرفني بالرسالة ذاتهاعلى مواصفات رفيقة دربه، فباركت له في رسالة جوابية هذا الزواج. ولكن على قدر ما سرني نبأ زواجه أزعجتني إشارة منه في الرسالة ذاتها بانقطاعه عن المسرح العربي.عدت الى الكويت بعد انتهاء الدراسة عام 1975 فوجدت حالة من الغليان في الفرقة نتيجة قرار الأستاذين الكبيرين عبد الحسين عبد الرضا وسعد الفرج بترك الفرقة إداريا وفنيا وتأسيس فرقة مسرحية خاصة بهما. وقد حاولت جاهدا ثنيهما عن هذا القرار ولكنهما شرحا لي أسباب قرارهما فتفهمته. وكان علي لذلك ان ألم شتات الفرقة من جديد ، وعملنا جاهدين على إعادة تنشيطها مرة أخرى ، فبحثنا عن نصوص مسرحية واخترنا نص مسرحية " ملك يبحث عن وظيفة " للدكتور سمير سرحان ، وغيرنا العنوان ليصبح " امبراطور يبحث عن وظيفة " ، وتصدى لإخراجها رئيس مجلس إدارة الفرقة آنذاك ومخرجها الوحيد ، الراحل الكبير حسين الصالح الدوسري . وكان دوري جمع كل من عزف عن ارتياد المسرح وانصرف عنه. وكان الراحل الحبيب كنعان حمد أحدهم، فعاد وشارك في العرض في أحد الأدوار الرئيسة . وكانت المسرحية من بطولة الفنان القدير غانم الصالح والفنانة القديرة مريم الغضبان شفاها الله ، ومجموعة كبيرة من  أعضاء الفرقة.

لكن العمل لم يحقق طموحاتنا. ووجدنا نحن مجموعة الطليعة في الفرقة بأن الإدارة تمارس ذات التفكير والنهج اللذين كانا يتناسبان مع تفكير أعمدتها آنذاك ، والمتمثلين بالقنانين الكبيرين سعد الفرج وعبد الحسين عبد الرضا، اللذين انشغلا بأعمال فرقتهما الخاصة ، مع انقطاع ثالثهما الفنان الكبير خالد النفيسي لأسباب مرضية لم تسمح له بالعمل آنذاك ، فعمدنا الى تغيير هيكلية مجلس الإدارة ككل وفق صيغة ونهج جدبدين يتناسبان ومرحلة جديدة من عمر الفرقة، معترفين ومقدرين فضل قياداتها السابقة لعطاءاتهم وتضحياتهم، فجاءت  تشكيلة مجلس الإدارة في أواخر عام 1975 جديدة مئة في المئة.

وكان الراحل الكبير كنعان حمد من ضمن القائمة التي دخلنا بها الانتخابات لنحقق فوزا ساحقا على القائمة القديمة ، بروح اتسمت بكثير من الشفافية والمحبة وحفظ الجميل للذين لم يحالفهم الحظ آنذاك ، وبمعاملتهم بما يستحقون من التقدير والاحترام.

 وتواصلت مسيرة عطاء الفنان الراحل كنعان حمد معنا بقيادة الدكتور حسن يعقوب العلي آنذاك وبقية الزملاء ، وهي المرحلة الثالثة في عمر فرقة المسرح العربي، وكنت فيها المحرك الأساسي بمساعدة بقية الزملاء، والراحل الكبير كنعان حمد أحدهم. فعملنا على تنويع عطاءاتنا المسرحية من المسرحيات العالمية والعربية الفصيحة والشعبية ، وتعدد المخرجون الذين أسندت إليهم هذه الأعمال بالفرقة، كما تعددت الأنشطة الثقافية الى جانب تبني الفرقة لحدث غير مسبوق في تاريخ الكويت بإقامة يوم المسرح العربي لتكريم الفنان المسرحي الكويتي في احتفاليات ضخمة. وكان الراحل كنعان الذراع الأيمن لي في معظم هذه المنجزات مع رفاق الدرب والمسيرة، هذا الى جانب قيامه ببطولة مجموعة من الأعمال الخالدة في تاريخ الفرقة آنذاك. فمن منا ينسى دوره المتميز في مسرحية نورة ، ومسرحية الثالث ، وسلطان للبيع ، وعالم غريب غريب، وطبيب في الحب، لكي يتوج عطاءاته الخالدة في ثلاثة أعمال مسرحية هي بشهادة كل النقاد العرب والكويتيين من عيون المسرحيات العربية، عندما جسد دور حنظلة في مسرحية رحلة حنظلة والتي تحقق للكويت من خلالها ولأول مرة العديد من الجوائز في مهرجانات مسرحية عدة، وطافت معظم أرجاء الوطن  العربي ، وكذلك دوره الخالد في مسرحية احذروا ، حيث جسد شخصية ملك سبأ، والتي قدمت في كل من بغداد والقاهرة ، وليختمها بحصوله على التنويه بالتميز لأدائه دور القاضي في مسرحية القضية خارج الملف في مهرجان أيام قرطاج المسرحية.

وكنعان حمد بدأ في التدرج الوظيفي في قيادة فرقة المسرح العربي من عضو بمجلس الإدارة ومشرف فني لها الى ان استقر في سدة  رئاسة مجلس الإدارة لعامي2002/2001 حيث تحقق خلال فترة رئاسته فوز الفرقة بجائزة أفضل عرض مسرحي في مهرجان الكويت المسرحي السادس بمسرحية العامود من بطولته ، ومن بعد ليتوج عطاءاته بجائزة أفضل ممثل مسرحي في مهرجان الأردن المسرحي عن المسرحية ذاتها. وكان رحمه الله لا يبخل على الشباب المحب لفن المسرح بنصائحه وتبنيه لهم.

 أما عن أعماله التلفزيونية فقد أخرج العديد من البرامج التلفزيونية المنوعة المتميزة ، كما أخرج العديد من الأعمال الفلكلورية الغنائية. وفي سنواته العشر الأخيرة ركز على إخراج العديدد من الأعمال الدرامية التي كان يسهم في كتابتها، وكان يغامر بأعماله من خلال الاستعانة بالعديد من الوجوه الفنية المتميزة.

* كنعان الإنسان    

منذ ان عرفت الراحل الكبير كنعان كان هو ذات الإنسان حتى لحظة مماته، صادقا مع نفسه ومع الآخر، وفيا لأهل بيته وأصدقائه ، عفويا في تصرفاته ، صريحا لا يخشى في قول الحق لومة لائم ، وإن كانت صراحته أحيانا تبدو فظة للآخر، إلا انه ما كان ليتعمد ذلك، وكان ابنا بارا بأبيه وزوجة أبيه ( حيث توفيت أمه وهو صغير السن ) وبأشقائه وإخوته من أبيه ، كما كان عطوفا على زوجته وأبنائه الأربعة ( حمد وشقيقاته الثلاث حفظهم الله ) ، ولا يتوانى عن مساعدة أي منهم على قدر استطاعته وإمكانياته، شأنه في ذلك كما هو مع الآخرين . كما انه كان يتواصل مع العديد من أصدقاء طفولته من أبناء العوائل الكويتية العريقة ، وإن كان منصهرا وجدانيا مع عائلة النصف الكرام ، الذين كان ممتنا كثيرا لمواقفهم الطيبة معه شخصيا، ومع أفراد أسرته.

وكان للراحل أبو حمد  نظرة صائبة وثاقبة في الرجال . ولطالما أثبت لي صحة نظرته  إليهم. وحتى لحظاته الأخيرة كان رحمه الله يتساءل عن جدوى تضحياتنا وعملنا المتواصل في داخل الفرقة نتيجة للجحود  الذي كان يراه من الآخرين. وكنت أصبره دائما بالقول "  اعمل خيرا وارم به في البحر، فنحن نعمل من أجل إرضاء الذات ". ومع أنه كان يكبرني سنا لكنه رحمه الله لا يتخذ قرارا ، سواء ما يتعلق بجوانب شخصية أو ما يخص العمل ، دون ان يستشيرني ويستمع الي ويعمل بمشورتي الى درجة انه كان يوعز للابن الحبيب حمد بشكل دائم ومتكرربقوله إذا كان لديك شيئا تريد قوله أو فعله فاذهب لاستشارة عمك فؤاد.

فقد انصهرنا أنا والراحل الكبير الى درجة بعيدة وكانت آراؤنا تكاد تكون متطابقة في مجمل الأمور والمواقف، وإن كنت آخذ عليه في الكثير من الأحيان أنه لا يحسب حساب الكلمة التي تخرج من لسانه، حتى يخيل للآخر كأننا نتوزع الأدوار فيما بيننا بحيث يقول هو رأيه بهذا الأسلوب وأقوله أنا بأسلوب آخر ، مما كان يسبب لي  إحراجات مع الآخرين، وكان يقول : هذه طريقتي في التعبير، كما ان لك طريقتك في التعبير عن افكارك، ولا حيلة لي بتغيير نفسي. والعزاء الوحيد معرفتي الحقة بأنه كان صادقا وواضحا في كل ما يقول ، ممايشفع عندي وعند الآخرين لما يرد على لسانه.  

     وكان رحمه الله متواصلا معي دائما، ويشركني في أفراحه وأتراحه. وعندما ذهب في بعثته الدراسية الى إيطاليا لنيل درجتي الماجستير والدكتوراه في المسرح، كنت قد نصحته ان يختار بلدا آخر لصعوبة اللغة الإيطالية . وكنت في مراحل دراسته الأولى على اتصال دائم معه، فأبلغني بأنني كنت مصيبا في نصحي له ، وأنه لذلك قرر قطع دراسته والعودة الى الكويت ، وحاولت ان أثنيه عن قراره فلم أستطع، فعاد لكي يحول أوراقه من معيد بعثة في الفنون المسرحية الى وظيفته الأساسية مخرجا في تلفزيون الكويت.

وكانت علاقتي بالراحل الكبير تتجاوز الصداقة الى الأخوة والتوأمة . فعندما تقدموا لخطبة ابنته الكبرى ( مي ) رغب في أن أكون متواجدا معه في تلك الساعة، وحالت ظروف سفري آنذاك دون ذلك. ولما زوج ابنه البكر أصر على ان يقدمني على أشقائه وإخوانه بالوقوف الى جواره لتلقي التهاني. وكان يعرفني لمن لا أعرف من المدعوين بأن " هذا أخي في الدنيا " ، واعتقد البعض من أهل الزوجة بأنني على صلة قربى معه، لكنه كان يجيب بأن ما بيني وبين أخي فؤاد أكثر من صلة الدم والقربى.

* محطــــــــات

في حياتنا المشتركة مع الراحل الكبير العديد من المحطات التي فيها من الطريف ما هو أكثر من المحزن. ومن أسعد اللحظات التي عشناها معا وعاش جزءا منها الصديق العزيز الفنان حمد ناصر حين استدعيته للعمل معي في مسرحية         " هالشكل يا زعفران " لمسرح الشارقة الوطني عام 1982/ 1983" حيث عشنا معا ليل نهار لفترة تتجاوز الثلاثة أشهر بين ربوع الشارقة وقرطاج.

وذكريات هذه الرحلة أكثر من ان تعد وتحصى . وحسبي انه امتلك بفنه المتميز وخلقه الرفيع محبة كافة إخوانه في فرقة مسرح الشارقة الوطني الذين ما ان علموا بوفاته حتى بادروا بإرسال وفد خاص لتقديم التعزية والعودة في الطائرة التي جاؤوا بها.

أما عن المحطات الأخرى السعيدة في حياتنا من خلال هذا المشوار الطويل معا بفرقة المسرح العربي وتلفزيون الكويت فيحتاج تدوينها الىكتاب خاص ، وأنا الذي منذ وفاته رحمه الله أتذكره في كل لحظة.

المحطة الأخيرة

عندما جاءني لكي يأخذ موافقتي للمشاركة في مسرحية " ذوبان الجليد " ـ محطته الأخيرة مع المسرح والحياة ـ أكدت له على أهمية المشاركة في مثل هذا العمل . وكان أثناء التدريبات يشكو الي التعب وشعوره بعودة آلام القلب إليه، ويسألني إذا كان من اللائق الاعتذار عن المتابعة ، خاصة وانه قطع شوطا طويلا في التدريبات . وكان ردي عليه بأن لا يعتذر ، وفي الوقت نفسه ألا يهمل مرضه ويرهق نفسه سواء في التدريبات أو في الفترة الصباحية ، وان يكون خروجه من المنزل الى المسرح والعودة منه بشكل مباشر ، حتى لا يفسر اعتذاره على غير محمل وضعه الصحي في وسط هذا المناخ الفني السيء الذي نعيش.

وفي آخر زياراته لي في المنزل برفقة الأخ الصديق الفنان محمد سليمان ، أمين سر الفرقة ، والذي انتدبته لتمثيل فرقتنا المكرمة واستلام تكريم الفرقة في حفل تكريم الفنانين الذي أقامته وزارة الإعلام ، وكان كنعان حمد من ضمن المكرمين ـ وقد سبق لي أن كرمت شخصيا في هذا الإطار ذاته في حفل مماثل قبل أسبوع حيث كرمت ضمن الإعلاميين ـ في هذا اللقاء الأخير في المنزل تبادلنا الحديث عن مواضيع شتى تخص الواقع المسرحي والفني في الكويت وردد قوله الذي طالما أسمعني إياه بأن الى متى نحن نتعب أنفسنا في هذا المجال؟.

وفي هذه الزيارة أيضا شاهد لأول مرة حفيدتي ( فاطمة ) المولودة حديثا آنذاك فاحتضنها وقبلها ودس في لفافتها عشرين دينارا ، تمنيت لو كنت أعلم بما يخبئه القدر ان أحتفظ بهذا المبلغ في " برواز " ، وكذلك فعل الصديق محمد سليمان الشيء ذاته.

وبعد يومين اتصل بي ليزف لي نبأ ولادة حفيده الأول ( دعيج ) من ابنته مي حفظها الله، فسبحان الله على هذه المفارقة : يسبقني في شيء وأسبقه في شيء آخر.

وفي هذا الإطار ، عندما تزوج الابن العزيز حمد كنت أكنيه بأبي كنعان ، فكان يعترض على هذه التكتية ويقول: " لا يا معود ، أنا نفسي متعقد من اسمي، دعه يختار اسم وليده " .

وكان طوال فترة تدريبات المسرحية " ذوبان الجليد " يشكو كما قلت من وضعه الصحي ، فأشير عليه بأهمية مراجعة الطبيب حتى قبل ذهابه للمسرح وبعد العودة منه ، حتى إذا ما انتهى العرض اتخذنا ما يلزم من إجراءات لسفره الى الخارج للعلاج.

وفي آخر وجبة تناولناها سوية لعبت الظروف لعبتها لكي نكون معا . فقد كنا مدعوين الى حفل غداء أقامه الأستاذ عبد  العزيز سعود البابطين، مع مجموعة من شخصيات وفناني وأدباء الكويت،على شرف الفنان العربي الكبير عادل إمام . جلسنا على الطاولة الرئيسية ، على يساري الفنان محمد جابر ( العيدروسي ) والفنان القدير غانم الصالح والفنانة القديرة سعاد عبد الله ، وعن يميني الفنان جاسم النبهان والفنان عبد الرحمن العقل. وفي لحظة ما قام الفنان جاسم النبهان لكي يسلم على شخص ما لم ألحظه على طاولة في إحدى زوايا الصالة بالفندق، وإذ بالراحل الكبير كنعان حمد يدخل ويحيي الجالسين جميعا ويجلس الى جواري عن اليمين. وقد أخذني الخجل من القول بأن هذا مكان الفنان جاسم النبهان الذي عندما شاهد الفنان كنعان جالسا مكانه أصر على أن يبقى فيه.

ووسط جو من الضحك والنكات المتعالية كنا نتبادل الحديث مع من ذكرت ، وكان المرحوم بين فترة وأخرى يسر لي بأنه متعب جدا ، فكنت أوصيه بضرورة الأخذ بنصيحتي المتكررة بضرورة مراجعة الطبيب قبل وبعد ذهابه للعمل في المسرحية، خاصة وانه لم يبق على الافتتاح سوى يومين. وبعد اللقاء تبادلنا كما العادة القبلات على أمل اللقاء.

وفي اليوم الثاني اتصل بي ليؤكد لي شيئين كنا قد تحدثنا عنهما سابقا: الشيء الأول ألا أحضر العرض الأول للمسرحية على ان أحضر العرض الثالث ، والشيء الثاني تأكيد دعوة الغداء الذي أردنا إقامته على شرف العاملين في العرض المسرحي ، وخاصة ان مجموعة من الفنانين العرب وغيرهم مشاركين فيه. وكان من المفترض ان يكون حفل الغداء يوم الخميس ، وهو اليوم الذي اتفقنا ان أحضر فيه العرض المسرحي .

اتفقنا على ذلك وعلى القيام بالتحضيرات اللازمة للحفل. وكان هذا الحديث يوم الاثنين. وفي اليوم التالي ، الثلاثاء، ليلة افتتاح العرض المسرحي " ذوبان الجليد " كنت أعاني من خراج حاد في اللثة ، وقد تمت معالجته من قبل الطبيب واقتضى تناولي بعض المسكنات التي جعلتني أغفو مبكرا على غير عادتي ، لكي أصحو على صوت " أم أسامة " والأبناء الثلاثة يحيطون بها. كانت تقول لي " قم ..قم .. أخوك كنعان أصيب بنوبة قلبية على خشبة المسرح، وعشرات المكالمات تصل وتستدعيك للحضور الى مكان العرض في الشامية " .

قفزت من النوم لأفاجأ برنين هواتف المنزل متواصلا وكذلك هاتفي النقال . وبمعاونة أبنائي لا أدري ماذا ارتديت من ملابس ولا كيف. وما أن وضعت الهاتف النقال بيدي لأخرج بصحبة الأبناء حتى عاد الهاتف يرن مجددا ، ففتحته بسرعة لأفاجا بصوت منتحب وبكاء مرير ، لم أميزه ، ويقول لي بنبرة متهدجة: البقاء برأسك في أبي حمد.  وفي الحال شعرت برجلي تخذلانني واتكأت على أبنائي الذين رافقوني في السيارة ، وكانوا قد تولوا الرد عني على مكالمات المفجوعين من الأصدقاء والزملاء : الفنانين والفنانات، سعاد عبد الله التي كانت ترجوني بأن أتماسك ، والأديبة ليلى العثمان ، وعبد المجيد قاسم وآخرون كثر. ولم أعد أتمكن من الرد على المكالمات وأنا أحث السائق للوصول الى المسرح بالشامية ، حيث دلفت من الباب الخلفي لأفاجأ بمجموعة الأصدقاء والأحبة وهم يهرعون ويحضنونني للتخفيف عني.

كان سؤالي الأول : أين هو ؟  فقادوني الى خلف الكواليس في المسرح لأجد الابن حسن القلاف واضعا رأس المرحوم على حجره وينتحب، وعبد المجيد قاسم ، هذا الرجل المؤمن المحتسب أمره لله جاثيا عند قدمي الراحل العزيز وهو يصرخ :   " ليش يا كنعان ، ليش ؟ " .

للحظة لم أستطع الاقتراب أكثر . وقد أخذ الانهيار مني مأخذا، وسألت في قنوط ، هل تأكد موته ؟ ولم أهدأ إلا بعد ان اختليت مع مجموعة من الأصدقاء المخلصين في إحدى غرف المسرح. حاولت أن أتماسك . وكان فريق الطب الشرعي قد جاء وأشرفت على نقله الى سيارة الإسعاف وتبعتها الى غرفة الطب الشرعي ، حيث كان شقيق المرحوم ناصر ، رحمه الله ، هناك مع الابن العزيز حمد ومجموعة من الأهل. وكان قرارهم الذي سمعت بأن يكون الدفن صباحا إلا إذا كان لي أنا رأي آخر. فقلت ، رغم إيماني بأن إكرام الميت دفنه لكن الأعلام الكبار من ذوي القامات الكبيرة من أمثال الراحل أبي حمد يجب ان نهيئ الفرصة لتشييع يليق به وبعطائه واقترحت ان يكون الدفن عصرا. وخلال عملية نقل الجثمان من المسرح الى الطب الشرعي أوعزت الى سكرتارية المسرح وأعضائه بالعمل على نشر إعلانات النعي وتعميمها. وأشرفت شخصيا على غسله وتعطيره وتكفينه، حتى قبلته على جبينه قبلة الوداع ، وكان السكون والراحة باديين على وجهه الطاهر، هذا الرجل الذي إذا دخلت الى مكتبه في المسرح تجد في الركن الأهم منه المصحف الشريف الى جانب سجادة الصلاة. 

وفي يوم الدفن تقاطر أحبة الراحل الكبير من كل حدب وصوب ، فكلما التفت يمينا أو شمالا أجد من ينتحب على صدري وأنتحب معه، كان عمالقة الفن والثقافة ورجالات الكويت الى جانبي ، ، ناهيك عن الآلاف المؤلفة من الذين تقاطروا على مجلس عزائه بعد الدفن، ولعمري كانت جنازته تليق بمكانته ، ودلت دلالة بالغة على محبة الناس له.

واليوم ، أستميحكم عذرا أولا ، وأستميح أخي وصديقي وتوأم روحي الراحل الكبير كنعان  إذا جاءت كلمتي المطولة خليطا مبعثرا من الكلمات المبعثرة ، إذ يشسهد الله انه منذ وفاته لم يفارق مخيلتي لحظة واحدة. وكثيرا ما أخطيء عندما أتصل بالمسرح أو أدعو أحدا بالسؤال عنه أو بمناداته خطأ باسم الراحل الكبير.

رحمك الله يا أبا حمد وأثابك على ما أعطيت . وعزاؤنا الوحيد بالذرية الصالحة التي أسست لها ، وأشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله وان الموت حق، وانا لله وانا إليه راجعون.

                                           فؤاد الشطي

 

       تم انتخاب الفنان فؤاد الشطي رئيسا لمجلس إدارة فرقة المسرح العربي بالتذكية للموسمين القادمين 2010-2011   شاهد مسرحية عشاق حبيبة إخراج  الفنان فؤاد الشطي شاهد  مسرحية دارإخراج الفنان فؤاد الشطي 1980   شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج قريب جداً قناة الحرة   الفنان فؤاد الشطي : نعيش زمن الجحود والنكران   شاهد مسرحية رحلة حنظلة من إخراج الفنان فؤاد الشطي     شاهد الفنان فؤاد الشطي في برنامج نجوم على الأرض شاهد مسرحية الثالث إخراج  الفنان فؤاد الشطي

fuad@fuadal-shatti.com